المزيد

أين نواري جثمان الذاكرة؟

أين نواري جثمان الذاكرة؟

بقلم: خلود فراج

أين نواري جثمان الذاكرة حين يعجز القلب عن حملها؟ وتعجز الأيام عن محوها؟

كنت أظن أن النسيان قبرٌ له باب، وأننا حين نقرر الرحيل ، يكفينا أن نغلقه خلفنا ونمضي… دون أن نلتفت.

لكن بعض الذكريات لا تُدفن؛ تتحول إلى أشباح صغيرة تسكن التفاصيل، وتعود في أغنية قديمة، أو رائحة عطر، أو مقعد فارغ، أو نظرة عابرة، فتفتح في الروح بابًا ظننّاه قد أُغلق.

 

حتى المرايا أصبحت خائنة… أرى فيها  امرأةً كانت تصدق أن الأشياء الجميلة يمكن أن تبقى، وأن القلب إذا أحب بصدق فلن يُعاقب على صدقه. 

 

أدركت أن بعض الفقد لا يأتي في صورة رحيل واضح، بل يتسلل إلينا كالماء تحت الأبواب.

نستيقظ ذات صباح فنكتشف أن شيئًا ما انطفأ فينا، وأننا لم نعد كما كنا.

وتمر السنوات وتتغير الوجوه، بينما تظل في داخلنا غرفة مغلقة، بها وردة يابسة وقلب صغير ما زال ينتظر أن يفهم لماذا انتهت الحكاية قبل أن نتعلم كيف نقول وداعًا.

 

ولأنني أتقنت إخفاء انكساراتي، صرت أبتسم وأقول إنني بخير، وأخرج إلى العالم بوجهٍ لا يشبه ما في داخلي. ثم أعود مساءً، فأخلع ذلك الوجه، وأسمح للحزن أن يجلس إلى جواري.

 

هناك فقط أدرك أنني لم أكن أبحث عن النسيان، بل عن طريقة أتذكر بها دون أن أنزف.

 

لذلك لم أعد أحاول دفن الذاكرة. سأتركها في أعمق زاوية من قلبي، وأكمل حياتي. سأضحك، وأحب، وأفتح النوافذ للصباح، وأزرع الزهور فوق أرض لا تزال تخفي تحتها جنازات كثيرة.

 

لكنني سأعرف دائمًا أن بعض الأشياء لا تنتهي حين تنتهي، وأن بعض النساء لا يخرجن من الحكايات كما دخلنها.

 

أما أنا، فلم أخرج منها سالمة؛ خرجت منها امرأة تعرف كيف يبدو الموت دون أن تموت.

 

وحين يسألني الزمن يومًا: أين نواري جثمان الذاكرة؟

لن أبحث عن أرض ولا عن بحر…فثمة قبور لا شواهد لها، وموتى لا تُقام لهم جنازات، وأشياء ندفنها في داخلنا ثم نواصل الحياة فوقها.

 

ومنذ ذلك اليوم… أصبحت أعيش لا لأنني شُفيت، بل لأن الحياة لا تمنحنا رفاهية أن نموت مع ما فقدناه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى