* الحكمة من وراء وجود خلافة عمر بن عبد العزيز فى منتصف العهد الأموي
بقلم /د محمد جاد الزغبي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دوما ما كان يدهشنى أن يوجد مثل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ويأتى زمانه فى منتصف زمان شاع فيه الظلم واندرست فيه سُنة الراشدين ( طبعا بالمقارنة لزماننا هذا يعتبر زمن الأمويين من أزمنة الملائكة ) ما علينا .. جاء عمر فى زمان تم اتخاذ الحكم فيه بالجبرية والوراثة , وتم التساهل فى الظلم والدماء والأموال , وبالذات فى الأموال , فتعامل الخلفاء مع بيوت المال على أنهم المتحكمون , وبالطبع ما كان هناك خليفة يتخذ المال لأهوائه كاملا كما هو الحال اليوم ولكن كانت سياسة الأموال والرواتب والعطايا فيها من الظلم الكثير , وقد قيل فى زمن عمر بن عبد العزيز أن زمن عمر بن الخطاب وزمن الراشدين كان راشدا بسبب وجود الخير فى الصحابة والتابعين , أما وقد فسدت الناس وأخلاقهم فمحال أن يستطيع خليفة أن يسير فى الناس بسيرة عمر وإلا فسد الحكم وفسدت الخلافة !
هكذا قالوا له عندما كان شابا , فلم يجادل لأنه ما وضع الحكم برأسه قط , ويمر الزمن ويُــبايع بالخلافة , ومنذ اليوم الأول وقبل حتى أن يستوى على الحكم ويهدأ خاطره , جاء بوزيره الأمين رجاء بن حيوة وفى ليلة واحدة قام بعزل كل ظالم من الولاة , ورد المظالم كلها فى عاصمته وكتب للولاة الجدد بمثل هذا , وقام برد كافة أمواله وأموال الإقطاعيين فى عهده لبيت المال ما أبقي منها شيئ , ولم يحبس فى السجون أحدا قط إلا من كان مرتكبا لحد من حدود الله ومعه البينة والشهود , وبالذات فى حد السرقة , وأطلق من اتهموا بالسرقة إن كانت تهمتهم السرقة لحاجة الجوع وعدم الكسب , وما هى إلا فترة وجيزة حتى شاع العدل والنظام العمرى الراشد فى مجتمع الخلافة بأكملها وكأنما عاد الزمن كاملا لعصر الراشدين ! حتى الخوارج والفرق المارقة سافكة الدم التى كان كافة الولاة مقتنعون بأن هؤلاء ليس لهم إلا الشدة والحزم والإفناء , أجبرتهم سياسة عمر بن عبد العزيز على التوقف مدهوشين حتى قالوا : ( ما ينبغي لنا مقاتلة هذا الرجل ) وكان فى عهد سابقيه قد انتشرت السرقات والنهب من المال العام على يد أمناء الخزائن وكان يصعب ويستحيل إقامة الأدلة على هؤلاء لأنهم لم يكونوا يتصرفون إلا بأمر الولاة الناهبين , فأرسل بعض الولاة لعمر يستأذنونه فى استخدام الشدة والتعذيب البدنى لـيـُــقروا بجرائمهم , فما كان من عمر إلا أن عـَـنـّـف الولاة بأشد الكلام وقال قولته المشهورة : ( من أقيمت عليه الحجة والبينة فخذوه بها , ومن أقر بما ارتكب فخذوه بإقراره , ومن لم يفعل منهم فاستحلفوه بيمين الله ثم أطلقوا سبيلهم , فوالله لئن يلقوا الله بخيانتهم أحب إلىّ من أن ألقاه بدمائهم )
ثم اتبع منهجه القويم منهج جده عمر بن الخطاب فى معاقبة الظلمة , فلم يترك واليا اغتنى بمال الولاية إلا وصادر كافة ما يمتلكه الوالى وترك له فقط ما ثبت له من مال قبل توليه ولايته , ولم يترك واليا جار فى حكمه بظلم الناس بحبس أو قيد أو قتل إلا وفعل به مثلما كان يفعل بالناس , وهكذا .. وبتوفيق الله لإمام الهدى عمر بن عبد العزبز أقام الحجة على سائر الحكام والولاة ممن سبقوه وممن لحقوه , وبالعدل .. بالعدل وحده لم يترك ظالما أو مظلمة , واكتظت بيوت الأموال بفائض ما فيها واغتنى الناس من فضل الله حتى لم يعد هناك محتاج أو غارم أو شخص واحد تجوز عليه الصدقة فى كافة أرجاء الخلافة , ورغم كل هذا ما زاد عمر بن عبد العزيز درهما واحدا ولا أخذ درهما لنفسه حتى كراتب مستحق باعتباره الخليفة ولا قام بتوسعة نفقة الولاة ولا رواتبهم ولا حتى نفقات الحكم من أوراق وشموع وأقلام وجعل تلك المصروفات فى أضيق الحدود رغم الغنى الباذخ التى تمتعت به الدولة فى عهده , وكان من بركاته الغريبة والعجيبة حقا أن أشرس أعداء الناس والدولة لم يستطيعوا أن يكرهوه , وما استطاعوا إلا أن يحبوه ويجلوه , حتى الخوارج وحتى قطاع الطرق , ووصل الأمر حتى لإمبراطور الروم , وإمبراطور الروم قال فى عمر قولا يستحق أن نكتبه بماء الذهب وما كان يسميه إلا بالرجل الصالح وحزن يوم وفاته حزنا أثار استغراب سائر مملكته , وليس هذا بعجيب لأن عمر بن عبد العزيز استدعى جيش الخلافة الذى حاصر القسطنطينية لأكثر من عام فى عهد سليمان , وكادت القسطنطينية أن تسلم وتفتح أبوابها بعد نفاذ سائر المؤن و فإذا بعمر يكتب لمسلمة بن عبد الملك ليفك الحصار ويرجع حتى لا يهلك الروم داخل بلادهم .. هذا هو ما يفعله العدل , العدل الذى كان أسسه سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام فحول به مجتمع الجاهلية لمجتمع النور بهدى الله ونوره , وهذا هو العدل الذى سادت به خلافة الراشدين ثم خلافة عمر بن عبد العزيز فصاروا حجة لله على عباده إلى يوم الدين لكى لا يأتى بعدهم من يحتج بفساد الناس والمجتمع لتبرير الظلم والعدوان !