إياك أن تستهن بالنصيحة المخلصة

بقلم /د محمد جاد زغبي
لا شك أن الله عز وجل يختار من عباده من يتولاه ويرزقه من حيث لا يحتسب فعلا ! ,
فهناك نوع من الناس يبلغ قلبه درجة الإخلاص وحب الخير للناس حتى أقصاها , ولهذا يرزقه الله بجزاء رهيب كالجبال دونما أن يتحمل مشقة العمل المناسب لهذه الحسنات , وعلى قمة هؤلاء يأتى ( الناصحون بالخير ) ,
والله يعطى على النصح بالخير ما لا يعطي بغيره , لأن النصيحة تتعلق بها مصائر الخلق لا سيما إن كان المستشار للنصيحة ذو علم وثقة عند من يستشيره
فالناصح المخلص عملة نادرة حيث تجده يحترق وهو يعطى لك النصيحة حتى يقنعك بها لتنال الخير من ورائها دون أن يضع فى اعتباره أى مكسب ,
وسعادته وفرحته بتحقق الخير للمنصوح ربما تفوقت على فرحة صاحب الخير نفسه
وأمثال هؤلاء يوفقهم الله لمواقف يعطون فيها المشورة والنصح فيتسبب على إثرها خير عميم جدا يبذله المنصوح له , ويذهب أجر ذلك كله للناصح دون أن يتكبد مشقة العمل , ورحم الله أبي قال لى هذه العبارة الموجودة فى العنوان , لينبه على خطورة ذلك ..
ولكى ندرك مدى عمق هذه الكلمة , فهناك مثال رهيب على ذلك فى التاريخ الإسلامى
وهو الفقيه رجاء بن حيوه وزير الدولة الأموية المشهور نال نفس ثواب عمر بن عبد العزيز ــ كما نحسبهما ــ تخيل أن جزاء عمر بن عبد العزيز وعمله كله صب فى ميزان رجاء بن حيوة دون أن يتكبد رجاء شيئا من معاناة الخلافة أو الهم الثقيل الذى تنوء به الجبال والذى تحمله عمر , والسبب أن رجاء بن حيوة هو الذى أشار على سليمان بن عبد الملك باستخلاف عمر وأصر على مشورته حتى نفذها سليمان
المفاجأة الكبري ههههه أن رجاء ربما يأخذ ضعف أجر عمر نفسه , والسبب فى ذلك أنه أخذ ثواب تولية عمر للخلافة , وأيضا أخذ ثواب سليمان الذى اتخذ القرار ــ رغم خطورته ــ ونفذه لكونه كان المشير عليه بالإستخلاف فثواب سليمان هنا سيعود لرجاء أيضا !
وفوق هذا الأجر كله , سيأخذ رجاء بن حيوة ــ كما نحسبه ولا نزكيه على الله ــ ثوابا أعلى وأكبر فى أنه لم يأخذ نصيبا من الشهرة تتناسب مع عمله , فالناس كلها تعرف عمر وتعرف سليمان لكن رجاء بن حيوة لا يذكره إلا من يقرأ فى التاريخ , وجدير بالذكر أن الشهرة لا شك أنها تعادل فى الأجر خمول الذكر للأتقياء وأصحاب الخير , فكل فاعل خير لم يذكره الناس واختفي إسمه يتضاعف أجره لا شك عملا بنص الحديث ( إن الله يعبد العبد التقي النقي الخفي )
فأكثروا من حب الخير للناس وأكثروا من النصح لهم , فوالله لا أدرى أي سر هذا الذى يكمن فى شخصية رجل مثل بن حيزة لكى يوفقه الله لهذا كله , رحمه الله ورضي عنه



