رجال الله .. المنسى والذين معه

إذا جلست ذات مساء كى تجمع معلومات عن شهداء كمين البرث، أو حتى يصادفك شىء منشور عنهم فلا شك أنك ستمر بحالة غريبة تشعر فى بدايتها بأنك فى حضرة الأعز والأشرف وهم الشهداء، وتنتهى بالإيمان بأن مثل هؤلاء الأبطال خلقوا ليرتقوا فى واحدة من أنبل المعارك، وأن لك الشرف أنك كنت تعيش زمنهم وإن لم تتشرف يوماً بمصافحة أحدهم.. وستدرك أنك صغير فى حضرة هؤلاء وعليك ألا تطالع أسماءهم وقصص بطولاتهم جالساً، فالوقوف فى حضرة الشهداء واجب.
ولا شك أن سطوراً تكتب أو تقرأ لا توفى هؤلاء الأبطال ولو النذر اليسير من حقهم، ولا تعبر بشىء عن قدرهم، فهم فى وقوفهم على أقدامهم يقاتلون جنود الظلام لأربع ساعات كاملة كانوا يدافعون عن كل طفل مصرى ينام على ذراع أمه، عن كل طفلة تلهو أمام بيتها.. كانوا يدافعون عن المستقبل الذى لم يتشرف بوجودهم فيه.. كانوا يدافعون عنا.
فى الذكرى الثالثة ليوم البرث الذى جرت وقعائه فى 7 يوليو 2017 ، وأسفر عن استشهاد وإصابة 26 من أبطال (الكتيبة 103)يأتى هذا الملف كمحاولة للاعتراف بفضل الأبطال على الوطن وكتحية مستحقة لأسرهم.
رأس العش وكمين البرث 50 عاماً بين نصرين
فى كمين البرث صمد 26 رجلاً أمام 150 إرهابياً.. وفى رأس العش انتصر الجندى على الدبابة الإسرائيلية
رغم أن المسافة بينهما نصف قرن تقريباً، إلا أنهما يتشابهان إلى ما يقرب التطابق، ولا فرق تقريباً إلا فى العدو، ويمكن تجاوز هذا الاختلاف فكلا العدوين حقير.
إنها المقارنة بين معركة رأس العش والتى جرت أحداثها فى الأول من يوليو عام 1967، وبين موقعة “البرث” أو هجوم رفح الذى وقع فى السابع من يوليو 2017، ونفذته عناصر تكفيرية على نقاط التمركز العسكرى جنوب مدينة رفح شمال سيناء.
البحث عن نصر إعلامى
فى المعركة الأولى هاجم العدو الصهيونى نقطة مصرية فى رأس العش شرقى بور فؤاد، وهى نقطة تتمركز بها سرية من الكتيبة 43 صاعقة، لا يزيد عدد أفرادها على ثلاثين رجلاً بهدف احتلال النقطة ومن بعدها دخول مدينة بور فؤاد، وهى الجزء الوحيد من سيناء الباقى تحت السيطرة المصرية عقب عدوان يونيو 1967.
أراد العدو الصهيونى تحقيق نصر إعلامى وتصوير قواته وهى تتحرك بحرية فى بور فؤاد فى رسالة للعالم أن كل سيناء تحت يده، وأنه حقق نصراً كبيراً على آخر قوة مصرية موجودة شرق القناة، فحشد العدو عدداً كبيراً من آلياته ومدرعاته لتحقيق نصر سهل على فصيلة صاعقة تتمركز فى رأس العش… وكانت له الصدمة!.
بعد نصف قرن وبضعة أيام حاول عدو آخر تحقيق نصر إعلامى سريع وسهل، لكنه لم يستفد من الدرس الذى لقنته القوات المصرية للعدو الصهيونى فى رأس العش فهاجم كمين البرث بأكثر من مائة وخمسين إرهابياً وهدفه الرئيسى تصوير فيلم قصير يذيعه على مواقعه المشبوهة وتتناقله بعض الفضائيات المعادية لمصر، بوصفه هزيمة للجيش المصرى وانتصارا للإرهابيين الذين يسيطرون على موقع عسكرى ويتحركون فيه بحرية، وأسفر الهجوم عن استشهاد وإصابة 26 فرداً من أبطال قواتنا المسلحة ومقتل أكثر من 40 فردا من العناصر الإرهابية المهاجمة.
الهدف فى المعركتين كان واحداً فلا أهمية عسكرية لموقع رأس العش بالنسبة لقوات العدو الصهيونى والتى كانت تدرك ذلك، لذلك لم تكرر محاولاتها كى تجنب نفسها خسائر بشرية جديدة، وظل الموقع تحت سيطرة الجيش المصرى حتى حرب أكتوبر 1973.
وفى حالة كمين البرث يدرك الإرهابيون أن سيطرتهم على أى موقع عسكرى لن تدوم أكثر من ساعة وربما بضع دقائق، ولكنه النصر الإعلامى لا أكثر، ومحاولة انتزاع نصر إعلامى تكمن أهميته فى أن هذا الكمين له أهمية لوجيستية وأمنية ومن النقاط التى تربط وسط سيناء من جهة ورفح والشيخ زويد من جهة أخرى.
حتى آخر طلقة وآخر قطرة دم
ولأن هدف العدو معروف للمقاتلين على الأرض فإن النصر هو إحباط مخططهم وإجبارهم على الانسحاب مهما كانت التضحيات، وعلى ذلك كان إصرار أبطال الجيش المصرى فى المعركتين على الصمود حتى آخر طلقة وآخر قطرة دم وحرمان العدو من احتلال الموقع والتقاط بعض الصور لتوثيق انتصاره المزعوم، وكذلك حرمان العدو من أسر أحد الجنود أو أخذ جثمان شهيد، ومن هنا كان القتال وكان النصر.
فى معركة رأس العش استمر القتال لساعات طويلة وجاءت الأوامر من قائد الكتيبة لقائد السرية بالقتال حتى آخر طلقة وآخر رجل، وقاتل أبطال الصاعقة المصرية ببسالة رغم فارق القوة بين أفراد مسلحين بالأسلحة الخفيفة وقوة إسرائيلية تتكون من عشر دبابات مدعمة بقوة مشاة ميكانيكية فى عربات نصف مجنزرة، وكان رد رجال الصاعقة أقوى من صاعقة أصابت القوات المهاجمة، الجنود المصريون يواجهون الدبابات بأسلحتهم الخفيفة، وتكبدت إسرائيل ثلاث دبابات وعددا من المدرعات فى الهجوم الأول فكان التصعيد بالهجوم الثانى وكانت النتيجة واحدة، ثم كان الهجوم الثالث وبعده كان تراجع القوات الإسرائيلية وطلبها وقف إطلاق النار لسحب جثث قتلاهم من الميدان، وكانت أنباء القتال والصمود ترفع لحظة بلحظة إلى الرئيس جمال عبدالناصر الذى ظل مستيقظاً يتابع المعركة حتى صباح اليوم التالى.
هدف واحد
فى كمين البرث كان المنسى والذين معه يدركون أن الهدف الأساسى من هجوم الإرهابيين هو السيطرة على مبنى الكمين ورفع علم تنظيم داعش الإرهابى عليه لعدة دقائق، وأنه تم اختيار هذا الكمين اعتماداً على أهميته الاستراتيجية لذلك كان الصمود أسطورياً، رغم الفارق بين القوتين ورغم تمكن الإرهابيين من تفجير سيارتين ملغمتين فى مقر الكمين ما أسفر عنه تدمير واجهة المبنى وسقوط عدد من الشهداء، ولكن ذلك لم يؤثر فى عزيمة الرجال وهم يدافعون عن موقعهم لأربع ساعات كاملة، ولم يفكر أحدهم فى التراجع والانسحاب فكان الفارق بين شهداء الكمين ومن سقط فى صفوف الإرهابيين كبيراً.
فى قلب المعركة
فرق شاسع بين ما شاهده ملايين المصريين فى مسلسل الاختيار وبين ما شهده كمين البرث فجر السابع من يوليو 2017، رغم اجتهاد القائمين على العمل الفنى، فما شاهده المصريون على شاشات التليفزيون هو تلخيص لمعركة طويلة استمرت أربع ساعات كاملة، كان المقاتلون يتنقلون خلالها داخل مبنى الكمين المدمر تحت وابل من رصاص العدو وقذائفه.
بدأ الهجوم الإرهابى على كمين البرث فى الرابعة فجراً وأثناء تبديل ورديات الحراسة، بواسطة 150 إرهابياً و12 عربة كروز محملة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة وقذائف آر بى جى وقذائف هاون ومدافع جرينوف وقنابل يدوية ومفخخات.
وحاولت إحدى السيارات المفخخة والتى تم تدريعها جيداً وتمويهها داخل إحدى المزارع، الدخول إلى الكمين، فتعاملت معها قوات الكمين، ولكن لشدة تدريعها انفجرت قرب الكمين، ما أدى إلى انهيار واجهة المبنى وسقوط عدد من الشهداء، وقدر خبراء حجم المتفجرات التى كانت تحملها السيارة بنحو طن، وتزامن ذلك مع إطلاق الإرهابيين لقذائف الهاون واستخدام الرشاشات الثقيلة عيار 14.5 مم القادرة على اختراق تدريع المركبات المدرعة والجدران.
حرس سلااااااااااح
خلال ثوان معدودة كان الصوت يدوى داخل الكمين “حرس سلاح” وكانت بقية القوات فى أماكنها ترد على الإرهابيين.
بدأت العناصر التكفيرية فى التقدم ببطء ناحية الكمين من مسافة بعيدة بسبب كثافة النيران التى يطلقها المدافعون عن الكمين رغم انهيار النصف الأمامى للمبنى الرئيسى والذى كان يتواجد فيه معظم أفراد القوة، فى حين أن المبنى الآخر ظل سليماً بمن فى داخله من الأفراد، والذين صمدوا أمام الهجوم الإرهابى حتى النهاية.
وفى الوقت نفسه قامت بعض العناصر الإرهابية بتطويق الكمين وزرع عدد من الألغام لصد محاولات الدعم البرى المتوقع لنجدة الكمين، وبالفعل تعرضت قوات الدعم التى تحركت نحو الكمين إلى هجوم بالألغام والسيارات المفخخة ولم تستطع الوصول بسرعة إلى الكمين، واشتبكت قوات الدعم التى تحركت إلى الكمين مع العناصر التكفيرية بالمفخخات والرشاشات الثقيلة، وخلال الاشتباكات استشهد الملازم أول خالد مغربى بعد مهاجمة مركبته بواسطة سيارة مفخخة، لينضم إلى زمرة الشهداء.
وفى الكمين استمر القتال لأربع ساعات كاملة سقط خلالها عشرات الإرهابيين بين قتيل وجريح، بينما ارتقت خلالها أرواح الشهداء من قوة الكمين، وتولى مهمة حماية جثامين الشهداء ببسالة الجندى “على على السيد” قبل أن يستقبل جسده الطاهر 30 رصاصة ليرتقى شهيداً، قبل هروب الإرهابيين بعد أن تأكدوا أن ما ينتظرهم ليس نصراً إعلامياً بل الموت على يد أبطال الجيش المصرى الصامدين.
حكــاية سيدى على
لكل إنسان من اسمه نصيب، واسمه على، وكان علياً، هو الشهيد على على السيد، أحد أبناء قرية الدغايدة، بمركز الجمالية بمحافظة الدقهلية، استشهد واقفاً خلال موقعة البرث، بعد أن قاتل وأسقط بسلاحه كثيراً من الإرهابيين وهو مصاب فى قدمه وظل يقاتل لآخر لحظة حتى استشهد بعد أن أصيب بـنحو أربعين رصاصة وهو من يذكره نشيد الصاعقة المعروف «العسكرى على م الشجعان.. مات راجل وسط الفرسان».
الشهيد على كلف نفسه بمهمة نبيلة خلال موقعة البرث وهى الحفاظ على جثامين الشهداء ومنع أى إرهابى من الاقتراب منها حتى لو كلفه ذلك حياته، ونجح فى مهمته على أكمل وجه، وكان حتى آخر لحظات حياته قابضاً على سلاحه يصطاد به الإرهابيين رغم رصاصات الغدر التى طالت كل جسده تقريباً.
ويروى رفيقه الجندى محمد على عثمان الشهير بـ«تايسون» – أحد الناجين من المعركة- اللحظات الأخيرة فى حياة الشهيد على، عندما أفاق تايسون من إصابته ليجد نفسه بين جثامين الشهداء، وفجأة بدأ يسمع همس صديقه المقرب على «مسك رجلى الشمال وقالى متسبنيش يا محمد.. متسبنيش يا صاحبى، قولتله والله ما هسيبك، حاولت أشده قام معايا لحد صدرى كان لسة فيه روح، فجأة بصلى وضحك واستشهد».
ويضيف تايسون أن ما قام به على لا ينسى، فقد دافع عن جثامين الشهداء ببسالة رغم إصابته بنحو 40 رصاصة ولم تخر قواه، وظل يقاوم ويتصدى للإرهابيين ومحاولاتهم للسيطرة على المكان أو الدخول للمكان الذى يستقر به جثامين الشهداء والمصابين.
قبل استشهاده، كانت للشهيد رسالة خاصة لوالدته، عندما قال لها: «يا أمى أنت ميت لك ست عيال فى القبر.. وأنا هبقى السابع بس هكون شهيد، أنا نفسى أموت شهيد».
وكان الشهيد على الأصغر بين إخوته، ويعمل فى مجال «الجبس»، ولم يكمل تعليمه وحصل فقط على الشهادة الابتدائية، وترك والدته منذ صغره، وذهب للعمل مع أحد معارفهم بمدينة المنصورة.
المنسى .. الصاعد إلى السطح والسماء
قبل سنوات طويلة روى لى الفريق حسن أبوسعدة رحمه الله ذكرياته عن يوم السادس من أكتوبر وكيف أنه كان يقود الفرقة الثانية مشاة من حفرة القيادة شرق القناة مساء السادس من أكتوبر، وقاطعته باندهاش “حضرتك عبرت القناة فى الموجة الأولى”، وجاء الجواب بحزم “طبعاً أومال القائد يقود رجالته من الخطوط الخلفية؟”
تذكرت ذلك وأنا أستمع لشهادة «تايسون» أحد أبطال موقعة البرث وهو يتحدث عن قائده الشهيد أحمد المنسى وكيف كان يخاطر بنفسه ويتقدم رجاله خلال المعركة حتى نال الشهادة.
يروى محمد على عثمان الشهير بـ”تايسون”، أحد أبطال كمين البرث ما حدث معه خلال الموقعة، وكيف أنه كان يتمركز فوق سطح المبنى، بينما يتوالى الهجوم الإرهابى: “القائد منسى طلع لى وقتها قولتله هنعمل إيه يا فندم؟، ماردش عليا وبدأ يتعامل مع الإرهابيين”، مضيفاً:” تتابعت هجمات الإرهابيين وانضربت دانة آر بى جى على إيدى اليمين، وبعدها على طول واحدة تانية فى وشى.. سحبنى القائد منسى سريعًا لإنزالى من المكان وهو بيقول اتشاهد يا تايسون اتشاهد.. رددت الشهادة بس ماكنتش حاسس بأى حاجة حواليا.. سابنى القائد منسى ورجع بسرعة لسطح المبنى وقال للنقيب محمد طلعت سباعى محدش يطلع فوق غيرى يا أبطال.. اوقف ع السلم يا سباعى وماتخليش حد يطلع ورايا”.
جاء الأمر من القائد، أمرا عسكريا لا يمكن كسره فى زمن السلم، فما بالك بصدوره فى زمن الحرب وخلال الاشتباك مع أفراد العدو. وكان أمر منسى حفاظاً على رجاله، فالقتال من أعلى المبنى مخاطرة كبرى، يتحملها وحده لانكشافه أمام قناصة العدو الذين يتابعون سطح المبنى، وحدث ما توقعه المنسى فقد تمكنت منه رصاصات القناصة ليرتقى شهيداً، برصاصة من عيار 12.5 ملم فى مؤخرة رأسه، فقد كان الإرهابيون أجبن من الاشتباك وجهاً لوجه مع المنسى ورجاله.
تحقق للمنسى ما تمنى، شهادة فى سبيل الله وهو يرتدى زى الشرف، الأفرول، وتبقى جزء مهم من وصيته، تولى تنفيذه من أنزلوه قبره، فقد أوصى أن يدفن معه “أفرول نظيف”، يلقى به ربه.
وما لا يعرفه الكثيرون، وكشف عنه حمزة نجل الشهيد المنسى، أن والده كان شاعراً، وكان يكتب بعض القصائد الوطنية فى كشكول خاص به. كما تداول بعض النشطاء فيديو يظهر فيه الشهيد المنسى وهو يقرأ قصيدة عن الجيش المصرى وشهدائه.
من هو المنسى؟
الشهيد البطل العقيد أ.ح أحمد صابر محمد على منسى، من مواليد 1977 بقرية منيا القمح بمحافظة الشرقية، التحق بالكلية الحربية، ثم تخرج ضابط صاعقة ضمن الدفعة 92 حربية.
خدم الشهيد المنسى فى الوحدة 999 قتال لفترة طويلة، ثم التحق بأول دورة له فى القوات الاستكشافية الخاصة، والمعروفة باسم seal فى 2001، ولكنه لم يكتف بذلك فقد حصل على نفس الدورة من الولايات المتحدة الأمريكية فى 2006.
كما حصل على ماجستير فى العلوم العسكرية “دورة أركان حرب” من كلية القادة والأركان فى عام 2013، وتولى قيادة الفرقة 103 صاعقة بعد استشهاد العقيد رامى حسنين فى أكتوبر 2016.
ويشهد السجل العسكرى للشهيد المنسى بالكفاءة والانضباط العسكرى وحسن الخلق، وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال.
عمـاد يعقـوب: «أيوه يا افندم.. صايم معاكم»
كان الشهيد عماد أمير رشدى يعقوب هو السائق الخاص للعقيد الشهيد أحمد المنسى، ورغم الفارق العمرى بينهما إلا أنه كان قريباً جداً من قلب المنسى، ولم يشعر الشاب الصغير أبداً إلا أن القائد هو شقيقه الأكبر، ويوم المعركة لم يخذل عماد كل من عرفه وقاتل ببسالة حتى ارتقى شهيداً.
وتروى والدة الشهيد أن نجلها عماد كان يصوم شهر رمضان مع زملائه داخل الوحدة وعندما سأله قائده العقيد أحمد منسى «إيه يا عماد أنت صايم معانا ولا إيه»، فأجابه «أيوة يا أفندم صايم معاكم».
وتضيف الأم أن الأسرة حاولت أكثر من مرة أن تسعى لنقله من الكتيبة لكن ابنها الشهيد كان يرفض ذلك لارتباطه بالشهيد البطل أحمد المنسى، لأنه كان يعامل الجميع كأنهم إخوته الصغار.
وتحكى الأم عن موقف لها مع الشهيد أحمد منسى، وأنها سبق وكلمته فى التليفون بالصدفة، ففى إحدى المرات كانت تكلم ابنها عماد لإخباره بموعد الفرح وصادف ذلك مرور الشهيد المنسى بجواره فمازحه «بتحب فى التليفون يا عماد» فرد ابنها «دى والدتى يا قائد».
وتابعت أن القائد أحمد المنسى طلب منه الحديث معها للاطمئنان عليها وخلال الاتصال طلبت منه السماح لابنها بحضور فرح بنت خالته ولم يكن موعد إجازته قد حان، فرد المنسى قائلاً «من عينيّا»، وبالفعل نزل إجازة لحضور الفرح.
محمد صلاح محمد .. طالب بضرب موقعه بالمدفعية
ولد الشهيد الرائد محمد صلاح محمد، بقرية نزلة عبدالله بمحافظة أسيوط، وقد تخرج فى الكلية الحربية، وخدم بسلاح المدفعية، والتحق بالكتيبة 83 صاعقة.
ويقول شقيقه إنه تحدث معه قبل استشهاده بساعتين وكانت أطول مكالمة بينهما وكان يوصيه بأبيه وأمه وأهله، وكأنها وصية الوداع، مضيفاً: الشهيد لم يخبر والدى أو إخوتى بمكان خدمته العسكرية، خوفاً على قلقهم من المخاطر التى يتعرض لها والعمليات التى تتم فى سيناء، «مكنش حد يعرف نهائى، هو بلغنى أنا بس قبل وفاته بـستة أشهر عشان أطمنهم باستمرار وكان بيقول إنه شغال فى الإسماعيلية»، كما أنه كان حريصاً على إخفاء تكريم وزارة الدفاع له، حتى لا تعلم الأسرة مكان خدمته والمخاطر التى يتعرض لها.
يروى زملاؤه أنه ظل يقاتل مع عناصر الكمين ويعطى إحداثيات الإرهابيين بكل دقة إلى تمركز المدفعية وكان يطالبهم بقصف الموقع صفر أى الموقع الذى يوجد به وذلك لمنع الإرهابيين من السيطرة على الكمين، أو الوصول إلى جثامين زملائه الشهداء.
أحمد رزق.. تمنى الشهادة
ولد الشهيد أحمد العربى مصطفى، بمركز الزرقاء، بمحافظة دمياط، وكان على وشك إنهاء خدمته العسكرية، وهو الابن الأكبر لأسرته، وكان معروفاً بضحكته التى لا تفارق وجهه، بالإضافة إلى حبه لتحمل المسئولية فقد كان يعمل خلال الإجازة كى يساعد أسرته.
ويروى والده أن الشهيد كان يقول لأبناء عمه «نفسى أموت شهيد بس خايف على زعل أبويا وأمى علىَّ بس أنا دلوقتى بقول يا أحمد أنا فخور بيك وبزمايلك رفعتو راسنا وضحيتوا بعمركم علشان بلدكم».
ويضيف والد الشهيد «أحمد كان راجل جدع كان ينزل الإجازة يشتغل علشان يساعد فى البيت كان يشتغل مزارع يحصل 200 جنيه يومياً يأخذ 100 جنيه ويترك للبيت 100 جنيه ويقول أنا هناك مش محتاج حاجة وبناخد فلوس هناك أهم حاجة أكون مطمّن عليكم هنا».
ثم يغالب الأب دموعه: «ابنى شرّفنى وطوّل رقبتى ورفع راسى بين الناس».
أحمد حسين شاهين .. يا أمى ابنك مات منتصراً
ولد الشهيد أحمد محمد حسين شاهين بقرية الخضرة التابعة لمركز الباجور بمحافظة المنوفية عام 1994، وهو خريج الدفعة 110 حربية، وقد طلب الشهيد بنفسه العمل فى سيناء، وبالفعل تم نقله إلى هناك.
عقب التخرج التحق بفرقة 999، وفرقة 777 لمكافحة الإرهاب ، والتحق أحمد شاهين بالكتيبة 103 صاعقة تحت قيادة العقيد أركان حرب رامى حسانين لمدة معينة ثم التحق بالعمل بمطار العريش ثم عاد مرة أخرى إلى الكتيبة 103 صاعقة.
كان الشهيد الملازم أول أحمد محمد حسين شاهين الشهير بـ “حسنين” أصغر ضابط فى كمين البرث، واستشهد بعد تخرجه بعام واحد حيث تخرج فى الكلية الحربية فى 21 يوليو 2016 الدفعة 110 وكان من المتفوقين والتحق بسلاح الصاعقة وانضم إلى الأبطال فى سيناء بعد شهر واحد من تخرجه.
ويقول والده: منذ التحاق ابنى بالكلية الحربية كنت أعرف أنه ابن موت فهو ولد متدين وعلى خلق وهادى الطباع وتأكدت أكثر من أنه ابن موت عندما طلب الذهاب إلى سيناء لمواجهة الإرهاب مع زملائه الأبطال، وكنت أدعو أهالى القرية لحضور خطبته يوم الثلاثاء فجاءوا لحضور جنازته يوم الجمعة.
وترك الشهيد رسالة لأمه جاء فيها: “يا أمى ابنك مات منتصرًا فافرحى وفى الجنة نلتقى.. يا أبى لا تكن حزينا بفقدان ابنك شهيد الوطن.. قولى لأصحابى إنى أحبهم كما أحببتكم، وإنى على فراقكم لحزين ولكنى فرح بما وصلت إليه، وأتمنى من الكريم أن ألقاكم جميعا، فلا تبكوا علىّ بعد مماتى، فإنى مخلد فى الفردوس نزلا.. عجز كلامى عن الحديث وعن المضى.. خفق قلبى للشهادة مطلبًا، فإن جاءكم جثمانى فاحتفلوا بشهيد الرحمن طاهر الجسد”.
محمود صبرى من «السلامونى»
ولد الشهيد محمود صبرى محمد، بقرية السلامونى، التابعة لمركز أخميم شرق، بمحافظة سوهاج، وظل يقاتل لآخر لحظة خلال معركة البرث حتى نال الشهادة.
وشيع أهالى قرية السلامونى الشهيد فى جنازة حاشدة، والذين أكدوا أن الشهيد كان يتمتع بالسمعة الطيبة وحسن الخلق.
واستشهد محمود صبرى قبل شهر واحد من انتهاء خدمته العسكرية، وقبل أشهر قليلة من زفافه.
الإرهابيون رصدوا 3 ملايين جنيه مقابل رأسه
«دبابة»: اللى ميجيبوش الطيران يجيبوا خالد المغربى
ولد الشهيد النقيب خالد محمد كمال حسين المغربى، فى الخامس من ديسمبر سنة 1992، بمدينة طوخ التابعة لمحافظة القليوبية، والتحق بالكلية الحربية وتخرج ضمن الدفعة 108 حربية وفور تخرجه التحق بوحدات الصاعقة، وأطلق عليه “الدبابة”، نظرا لقوة بأسه فى مواجهة الإرهابيين وتميزه بقوة بنيانه.
وكانت من أقوال الشهيد المشهورة عنه “اللى متجيبوش المدفعية يجيبوا الطيران.. واللى ميجيبوش الطيران يجيبوا خالد المغربى”.
أطلق عليه زملاؤه بالكلية لقب (الدبابة)، لأنه كان يتمتع رحمه الله، ببنية جسدية قوية وعزيمة جبارة مكنته من اجتياز تدريبات مدرسة الصاعقة فى وقت قياسى بشهادة كل قياداته.
كان مجرد اسم النقيب خالد مغربى (دبابة)، يزلزل أجساد الإرهابيين ما إن يعلموا بوجوده بين القوات التى يخططون لمواجهتها، واعتراف بعض الإرهابيين الذين ألقى القبض عليهم، بأنهم رصدوا جائزة قدرها 3 ملايين جنيه لمن يقتل النقيب خالد محمد كمال المغربى.
وتكشف أرملة الشهيد النقيب خالد مغربى (دبابة)، أنه كان يتلقى رسائل تهديد من الإرهابيين، وأنهم تلقوا رسالة تهديد من أحد الإرهابيين بعد زواجهما مباشرة، بأنهم على علم بمكانه، وأنه يمكنهم الوصول إليه فى أى وقت.
كان النقيب البطل خالد المغربى، ضمن الكتيبة 83 صاعقة، وخرج على رأس قوة لدعم زملائه فى الكتيبة 103 فى كمين البرث. فبعد أن أدى الشهيد خالد المغربى صلاة الفجر داخل كتيبته 83 صاعقة، وجهز معداته لترك كتيبته، بناءً على نشرة صدرت بانتقاله إلى قوات الصاعقة فى محافظة الإسكندرية، إلا أنه فى هذه اللحظة تلقى اتصالا من أحد الضباط بكمين البرث، يؤكد تعرضهم لهجوم إرهابى من جانب تنظيم داعش الإرهابى، ليهتف النقيب خالد مع جنوده وزملائه بالكتيبة (حى على الشهادة)، وخلال دقائق قليلة شكل قوة دعم مكونة من مدرعتين ودبابة وعربة تشويش، وهبوا لنجدة ودعم زملائهم فى الكمين 103.
قبل وصول قوة دعم النقيب البطل خالد المغربى، إلى موقع الاشتباكات بحوالى 700 متر، لمح سيارة داخل إحدى العشش على جانب الطريق، أمر بالتعامل معها وتفجيرها، وكانت معدة بمتفجرات لتعطيل وصول الدعم، بينما على بعد 400 متر، أطلق قناصة التكفيريين وابلا من الرصاص وقذائف آر بى جى على المدرعة، غير أن الشهيد خالد المغربى، تعامل معهم من داخل المدرعة، وقتل وأصاب العديد منهم، لكن الإرهابيين تقدموا من جانب الطريق بسيارة دفع رباعى يقودها انتحارى محملة بكمية ضخمة من المتفجرات، لتصطدم بالمدرعة وتنفجر ويستشهد على إثرها النقيب خالد المغربى وزملاؤه الأبطال.
وشيع الآلاف من أهالى طوخ، جثمان الشهيد الذى استشهد بعد زفافه بأربعة شهور، وأنجبت زوجته ابنهما بعد رحيله وحمل نفس اسم أبيه، خالد. ورثته والدته قائلة “أكد لى فى آخر إجازة له، إنه لن يعود، وقالى “متزعليش يا أمى”.
على الطوخى.. شهامة وأخلاق
لم تشهد قرية عرب جهينة بشبين القناطر بالقليوبية، جنازة حاشدة فى تاريخها مثل جنازة الشهيد على حسن الطوخى، التى شارك خلالها الآلاف من أبناء القرية، والقرى المجاورة.
ويقول والد الشهيد إن ابنه كان يستعد للزواج بعد شهرين، موضحاً أن الشهيد كان مثالاً للأخلاق الطيبة، وآخر زيارة له طلب منه الدعاء له ولزملائه من أبطال القوات المسلحة.
محمد عزت.. شهيد فارسكور
ولد الشهيد محمد عزت إبراهيم، فى قرية العطوى، التابعة لمركز فارسكور، بمحافظة دمياط، والتحق بقوات الصاعقة المصرية، وانضم للكتيبة 103 صاعقة تحت قيادة الشهيد منسى، وكان ضمن القوات المتمركزة فى مربع البرث بشمال سيناء.دافع الشهيد وزملاؤه عن كمين البرث ببسالة حتى فاضت روحه إلى بارئها شهيداً فى سبيل الله والوطن، وبعد أن أحبطوا مخطط الإرهابيين فى الاستيلاء على الكمين.
وأقيمت للشهيد جنازة مهيبة بمسقط رأسه بقرية العطوى مركز فارسكور بمحافظة دمياط، وسط حضور حشد كبير من القيادات التنفيذية والعسكرية والأمنية بالمحافظة والآلاف من أبناء المحافظة.
محمد اسماعيل رمضان ماسة وقلبه ماسة
ما زالت جدران الكتيبة 103 صاعقة برفح، تحمل ذكرى من الشهيد محمد إسماعيل رمضان، المولود فى قرية قسطا بكفر الزيات والملقب بـ«ماسة»، فقد كان فناناً يحمل فى يده الفرشاة والألوان ليرسم على الجدران، وفى اليد الأخرى السلاح.. كان الشهيد يلقب بـ«ماسة» وكان زملاؤه يداعبونه بأنه ماسة وقلبه ماسة، فقد اشتهر بابتسامته الجميلة وملامحه الطفولية البريئة، وكان يحب الرسم كثيراً وكان فناناً موهوباً وله رسومات رائعة، وكانت له أجندة خاصة يكتب على صفحاتها خواطره ويملأها بالرسومات والنقوش، ولكن هذه الأجندة امتلأت بجملة تكررت على صفحات الأجندة، وهى «خاننى صاحبى وراح ومات قبل منى»، حيث كانت هذه الجملة عتاباً لأحد أصدقائه الذى سبقه للشهادة.
مؤمن رزق .. ابن جزيرة محروس
ولد الشهيد مؤمن رزق أبواليزيد بنجع «حمد سليمان» التابع لقرية جزيرة محروس، بدائرة مركز أخميم بمحافظة سوهاج، ويبلغ من العمر 22 عاماً حين استشهاده، وقد شيع الآلاف من أبناء القرية جثمان الشهيد وسط حضور دعوات بالثأر من الإرهابيين القتلة، وتطهير سيناء من شرورهم.
أشقاء فراج يطالبون بالتطوع للثأر من الإرهابيين
ولد الشهيد المجند فراج محمد محمود فى قرية «أبوغرير» التابعة لمركز أبوقرقاص بمحافظة المنيا، وكان يبلغ من العمر 22 عاماً، وشارك فى معظم المداهمات التى تستهدف العناصر الإرهابية. وتم تشييع الشهيد بجنازة عسكرية وشعبية حاشدة فى قريته بمحافظة المنيا.
ويقول شقيق الشهيد، خالد، إن أخيه كان يعمل بالمعمار خلال إجازاته لمساعدة أسرته، وطالب بالسماح له ولأشقائه بالتطوع فى القوات المسلحة للثأر لشقيقهم الشهيد.
محمود رجب .. نسمة وأخلاقه العالية
الشهيد من مواليد قرية شفا التابعة لمركز بسيون بالغربية، وكانت مدة انتهاء خدمته العسكرية توشك على الانتهاء، لكنه قدم بطولة كبيرة فى معركة البرث فى رفح.
وتقول والدة الشهيد إن ابنها كان يساعد إخوته فى حياتهم المعيشية وكلهم يعملون بالأجرة اليومية لأننا لا نملك من حطام الدنيا إلا صحتنا.
ويقول السيد، الشقيق الأوسط للشهيد، إن تصرفاته كانت تؤكد أنه سيكون شهيداً، كان نسمة وأخلاقه عالية.



