دراسات وابحاث

البطاقة الشخصية.. حين يصبح الرقم القومي نافذة على جينات المصريين

البطاقة الشخصية.. حين يصبح الرقم القومي نافذة على جينات المصريين

إيهاب محمد زايد
رقمك القومي أم شفرتك الوراثية؟ حكاية البطاقة التي ستحمي مستقبل المصريين، السيادة الجينية.. هل تصبح البطاقة الشخصية درع مصر الحيوي في 2050؟، من الإدارة الورقية إلى الإدارة الحيوية.. كيف يقرأ الرقم القومي شفرة الحياة؟
بين طيات البلاستيك الرقيق لبطاقاتنا الشخصية، ترقد أرقام جافة تصف هويتنا الإدارية، لكن خلف كل رقم منها تختبئ حكاية بيولوجية لم تُروَ بعد، وشفرة حياة فريدة صاغتها آلاف السنين من الامتزاج على ضفاف النيل. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد تحديث تقني لمنظومة الأحوال المدنية، بل عن عبور استراتيجي نحو عصر ‘الإدارة الحيوية’ للدولة، حيث تتحول البيانات الوراثية من أسرار حبيسة في نواة الخلية إلى بوصلة قومية توجه الصحة والغذاء والعمل. إنها دعوة لإعادة قراءة الذات المصرية، ليس من خلال سجلات المواليد والوفيات فحسب، بل من خلال لغة الجينوم التي لا تكذب، لنرسم مستقبلاً يُدار باليقين العلمي لا بالاحتمالات، ونؤسس لجمهورية جديدة تقرأ جيناتها كما تقرأ اسمها.
مستقبل الهوية بين التأمين السيادي والتدفق الرقمي “إن تحويل الرقم القومي إلى بوابة للبصمة الجينية يمثل قفزة نوعية في منظومة الأمن القومي؛ فهو يضع حداً نهائياً لجرائم انتحال الشخصية وتزوير الهوية التي تُعد ثغرة كبرى تستغلها الشبكات الإرهابية والتنظيمات الإجرامية لتسهيل تحركاتها وتمويل عملياتها المشبوهة. فالبصمة الوراثية هي توقيع بيولوجي لا يمكن تزييفه أو محوه، مما يمنح الأجهزة الأمنية أداة بتارة لكشف الهويات الحقيقية للعناصر المتورطة وتفكيك شبكاتهم العائلية والتنظيمية بدقة متناهية، خاصة في ظل تزايد التهديدات العابرة للحدود.
وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن هذه الرؤية تُعد حجر الزاوية لبناء ‘اقتصاد رقمي سيادي موثوق’. فدمج البيانات الجينية مع منظومة المدفوعات غير التلامسية (Soft (POS والخدمات الحكومية الرقمية يخلق بيئة معاملات فائقة الأمان، قائمة على ‘المصادقة البيولوجية غير القابلة للاختراق’. هذا المزيج الفريد من التكنولوجيا والبيولوجيا لا يقتصر أثره على حماية الاستثمارات والمعاملات المالية البنكية من الاحتيال، بل يفتح آفاقاً واعدة لتوطين صناعات التكنولوجيا الحيوية وتحليل البيانات الضخمة (Big Data) داخل مصر. إننا بصدد خلق قيمة مضافة للاقتصاد القومي عبر تحويل ‘البيانات السيادية’ إلى ‘أصول رقمية آمنة’ تقود قاطرة التنمية المستدامة وتعزز تنافسية مصر في الخارطة الاقتصادية العالمية.”
إليك الفقرة المطلوبة بصياغة تجمع بين الدقة الجنائية والمنظور اللوجستي، لتوضع تحت الفقرتين السابقتين:

درع بيولوجي للمنافذ والعدالة الناجزة
“إن امتداد هذا النظام الرقمي الجيني إلى بواباتنا الحدودية وموانئنا الاستراتيجية سيحدث ثورة في مفهوم ‘الحدود الذكية’؛ فالتدقيق الحيوي المعتمد على الشفرة الوراثية يمنح سلطات الموانئ والمطارات قدرة فائقة على كشف هويات المتسللين والمطلوبين دولياً حتى في حالات التغيير الجذري للملامح أو تزوير الوثائق الورقية، مما يحول منافذ مصر إلى حصون بيولوجية لا يمكن اختراقها.

أما في ساحات القضاء والطرقات، فإن ربط الرقم القومي بالبصمة الجينية هو الضمانة الأسمى لتحقيق ‘العدالة الناجزة’؛ حيث تختصر هذه البيانات سنوات من التحقيقات المجهدة في القضايا الجنائية المعقدة، وتوفر فصلاً قاطعاً ونهائياً في قضايا النسب والميراث والجرائم الغامضة. وفي لحظات الحوادث المأساوية أو الكوارث الطبيعية التي قد تطمس المعالم الظاهرية للضحايا، تبرز البطاقة الجينية كأداة إنسانية وقانونية فورية لتحديد الهويات بدقة مطلقة، مما يحفظ كرامة الإنسان ويضمن حقوق ذويه دون إبطاء. إننا بصدد تحويل ‘مسرح الجريمة’ و’منصة القضاء’ و’ساحة الطريق’ إلى منظومة رقمية متكاملة تحتكم لليقين البيولوجي، وتغلق أبواب الشك والتدليس للأبد.”
في البدء كانت البطاقة.. واليوم أصبحت شفرة الحياة
في زمن تتصاعد فيه ثورة المعلومات الحيوية، وتتسارع فيه وتيرة الاكتشافات الجينية، وتتحول فيه البيانات إلى أثمن ما تملك الأمم، يبرز سؤال مصيري: ماذا لو كانت البطاقة الشخصية التي يحملها كل مصري، ذلك الرقم القومي الذي يرافق الإنسان من المهد إلى اللحد، ليست مجرد وسيلة تعريف إدارية، بل هي نافذة على جينات حاملها؟ ماذا لو أصبحت هذه البطاقة أداة لتشخيص الأمراض قبل ظهورها، وتحديد الاستعداد الوراثي للشخص، وتوجيهه نحو الوظيفة الأنسب لقدراته البيولوجية، وحماية المجتمع من التهديدات الصحية والأمنية؟

هذا السؤال لم يعد خيالاً علمياً. ففي يناير 2026، أطلق البنك المركزي المصري خدمة “سوفت بوز” Soft POS للمدفوعات غير التلامسية، وفي فبراير 2026، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد حاملي البطاقات الشخصية (الرقم القومي) بلغ 76.5 مليون مواطن، بنسبة تغطية تجاوزت 85% من السكان . هذه البطاقات، التي كانت مجرد أداة تعريف، يمكن أن تتحول إلى منصة متكاملة للبيانات الصحية والوراثية، تربط بين المواطن ومستقبله الطبي والوظيفي والأمني.

لكن ما زلنا في بداية الطريق. في مصر، لا تزال قاعدة بيانات الرقم القومي مركزية وأساسية، وتحتوي على بيانات تعريفية أساسية، لكنها لا تشمل البيانات الحيوية أو الوراثية . هناك جهود متفرقة مثل مشروع “100 مليون صحة” الذي نجح في مسح أكثر من 60 مليون مواطن لأمراض مثل السكري والضغط، وهذه البيانات تُربط بالرقم القومي في بعض الحالات، لكنها ليست متكاملة أو موحدة . هناك أيضاً مشروع الجينوم المرجعي المصري الذي أطلقته أكاديمية البحث العلمي في عام 2021 لتسلسل 1000 جينوم مصري، لكنه لم يدمج بعد مع قاعدة بيانات الرقم القومي . الفجوة بين الإمكانات والواقع هي ما يستدعي رؤية جديدة: بطاقة شخصية تحمل الشفرة الوراثية للمواطن، تبدأ مع شهادة ميلاده وتستمر معه طوال حياته.

من الرقم القومي إلى البصمة الجينية.. رؤية متكاملة
تخيل معي مشهداً: طفل يولد في مستشفى مصري، تؤخذ منه عينة دم بسيطة، وتُسجل شفرته الوراثية على بطاقته الشخصية. هذه الشفرة ليست مجرد تسلسل عشوائي من الحروف، بل هي خريطة متكاملة لصحته المستقبلية. تحدد له الاستعداد الوراثي للأمراض المزمنة مثل السكري والضغط والسرطان، وتنبه أسرته والأطباء إلى المخاطر المحتملة قبل ظهورها بسنوات. هذه هي رؤية “البطاقة الجينية” التي تدمج بين الرقم القومي والبيانات الوراثية.

بحسب تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد المواليد في مصر عام 2025 نحو 2.6 مليون مولود . تخيل أن كل هؤلاء المواليد يحصلون على بطاقة تحمل شفرتهم الوراثية، ليبدأ سجلهم الصحي من اليوم الأول، وليتمكن الأطباء من توقع الأمراض التي قد تصيبهم في مراحل متقدمة من العمر، وليتمكن الباحثون من بناء قاعدة بيانات ضخمة عن التركيبة الجينية للمصريين، تساعد في فهم الأمراض المنتشرة في المجتمع وتطوير علاجات مخصصة.

هذا المشروع ليس حلماً بعيداً. ففي دول مثل الإمارات، تم إطلاق مشروع الجينوم الإماراتي في عام 2019، وتم تسلسل أكثر من 800 ألف جينوم بحلول عام 2026، وتم دمج البيانات مع الرقم الصحي الموحد للمواطنين . وفي قطر، تم إطلاق برنامج الجينوم القطري، وتم تسلسل أكثر من 40 ألف جينوم، مع خطط لدمجها في نظام الرعاية الصحية . هذه الدول تثبت أن تحويل الرقم القومي إلى بوابة للبيانات الوراثية ليس مستحيلاً، بل هو مسار طبيعي لتطور أنظمة الرعاية الصحية.

الأمن الصحي.. من العلاج إلى الوقاية
إذا كان الهدف من الرعاية الصحية التقليدية هو علاج المرض بعد ظهوره، فإن الهدف من الرعاية الصحية الجينية هو الوقاية قبل حدوثه. فمعرفة الاستعداد الوراثي للأمراض تسمح للمرضى بتغيير نمط حياتهم، وتسمح للأطباء بإجراء فحوصات دورية للكشف المبكر، وتسمح للدولة بتوجيه مواردها الصحية نحو الأمراض الأكثر انتشاراً في المجتمع.

بحسب تقارير وزارة الصحة المصرية، تبلغ نسبة انتشار مرض السكري في مصر 15.6% بين البالغين، وارتفاع ضغط الدم 26.3% . هذه الأمراض لها أساس وراثي قوي، ومعرفة الاستعداد الوراثي للإصابة بها يمكن أن يساعد في تقليل نسبتها بشكل كبير. لو استطعنا تحديد من هم الأكثر عرضة للإصابة بالسكري، يمكننا توجيههم إلى برامج وقائية مبكرة، مثل تعديل النظام الغذائي وممارسة الرياضة، مما قد يقلل نسبة الإصابة بنسبة تصل إلى 50%، وفقاً لدراسات عالمية.

كذلك، فإن تحديد الاستعداد الوراثي للسرطانات يمكن أن ينقذ آلاف الأرواح سنوياً. في مصر، يتم تشخيص حوالي 150 ألف حالة سرطان جديدة سنوياً، وتشير التقديرات إلى أن 5-10% منها مرتبطة بطفرات جينية وراثية . معرفة هذه الطفرات مبكراً تسمح بإجراء فحوصات دورية مكثفة، واكتشاف السرطان في مراحله المبكرة، حيث تكون نسب الشفاء أعلى بكثير.

الأمن الغذائي.. توجيه الإنتاج حسب الاحتياجات الجينية
إذا كانت البطاقة الجينية تحمل معلومات عن استعداد المواطن للأمراض، فإنها تحمل أيضاً معلومات عن احتياجاته الغذائية. فمن المعروف أن الاستعداد الوراثي للسمنة، ومرض السكري، وأمراض القلب، يرتبط بالاستجابة لأنواع مختلفة من الغذاء. يمكن لهذه المعلومات أن توجه السياسات الغذائية للدولة، وتحدد المحاصيل التي يجب التركيز على زراعتها، والمنتجات التي يجب دعمها أو تقييدها.

تخيل أن الدولة تنتج 8 ملايين طن من القمح سنوياً، وتستورد 12 مليون طن إضافية، بتكلفة تصل إلى 4 مليارات دولار سنوياً . لو كان لدينا بيانات جينية عن استعداد المصريين للسمنة والسكري، يمكننا توجيه سياسات الدعم نحو منتجات ذات مؤشر جلايسيمي منخفض، وتشجيع زراعة محاصيل بديلة مثل الشوفان والكينوا، مما قد يقلل من الاعتماد على القحم المستورد ويحسن الصحة العامة في نفس الوقت.

كذلك، فإن البيانات الجينية يمكن أن تساعد في تحديد الحساسية الغذائية المنتشرة بين المصريين، مثل حساسية اللاكتوز أو الجلوتين، وتوجيه الإنتاج المحلي نحو بدائل مناسبة. بحسب الدراسات المحلية، تصل نسبة حساسية اللاكتوز بين المصريين إلى 75%، وهي نسبة مرتفعة جداً مقارنة بالغرب . ومعرفة هذه الحساسية يمكن أن توجه إنتاج منتجات ألبان خالية من اللاكتوز، وتقلل من الأضرار الصحية الناتجة عن استهلاكها.

الأمن الوظيفي.. العمر الاكتوازي والوظائف المناسبة
إذا كانت البطاقة الجينية تحمل معلومات عن الاستعداد للأمراض، فإنها تحمل أيضاً معلومات عن الشيخوخة البيولوجية. فمن المعروف أن هناك جينات مرتبطة بسرعة الشيخوخة، وأن بعض الأشخاص يشيخون بيولوجياً أسرع من غيرهم، رغم أن أعمارهم الزمنية واحدة. هذا المفهوم يُعرف بـ”العمر الاكتوازي”، وهو العمر البيولوجي الفعلي للشخص، الذي يختلف عن عمره الزمني.

في مصر، هناك أكثر من 30 مليون مواطن في سن العمل (15-64 سنة)، ويتم تجنيد حوالي 800 ألف شاب سنوياً للخدمة العسكرية . لو كان لدينا بيانات عن العمر الاكتوازي لهؤلاء الشباب، يمكننا توجيههم إلى الوظائف المناسبة لقدراتهم البدنية والعقلية. فالشاب الذي يشيخ بيولوجياً بسرعة قد لا يكون مناسباً للوظائف التي تتطلب جهداً بدنياً كبيراً، بينما الشاب الذي يشيخ ببطء قد يكون مناسباً لوظائف تتطلب قدرة على التحمل.

كذلك، فإن البيانات الجينية يمكن أن تساعد في تحديد الميول الوظيفية للأفراد. فهناك دراسات تشير إلى أن بعض الجينات ترتبط بالقدرات المعرفية، مثل الذاكرة والتركيز، وبعضها يرتبط بالقدرات البدنية، مثل القوة والتحمل، وبعضها يرتبط بالقدرات الإبداعية . هذه المعلومات يمكن أن توجه الشباب نحو المجالات التي تناسب قدراتهم الجينية، وتزيد من كفاءة سوق العمل، وتقلل من نسب البطالة التي بلغت 6.2% في نهاية عام 2025 .

الأمن القومي ومكافحة الإرهاب
إذا كانت البطاقة الجينية تحمل معلومات عن الصحة والوظائف، فإنها تحمل أيضاً معلومات عن الهوية. فالبصمة الجينية هي أداة تعريف لا يمكن تزويرها، ويمكن استخدامها لتأكيد هوية الأفراد في المعاملات الحكومية والأمنية. في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الهجمات الإلكترونية، وتتزايد فيه محاولات انتحال الهوية، تصبح البصمة الجينية وسيلة لا غنى عنها لتأمين البيانات والمعلومات.

بحسب تقارير وزارة الداخلية المصرية، تم تسجيل 4,300 جريمة انتحال هوية في عام 2025، معظمها في المعاملات البنكية والعقارية . لو كان لدينا بصمة جينية مرتبطة بالرقم القومي، يمكن منع هذه الجرائم بشكل شبه كامل. كما يمكن استخدام البصمة الجينية لتحديد هوية المفقودين وضحايا الحوادث، ولتأكيد صلة القرابة في قضايا النسب والميراث.

على صعيد مكافحة الإرهاب، فإن وجود قاعدة بيانات جينية للمواطنين يمكن أن يساعد في التعرف على الإرهابيين والمشتبه بهم، وتحديد علاقاتهم الوراثية ببعضهم البعض، وكشف شبكاتهم العائلية. في عام 2025، تمكنت الأجهزة الأمنية المصرية من إحباط 127 عملية إرهابية، وضبط 2,300 متهم . لو كان لدينا بيانات جينية للمتهمين، يمكن تتبع تحركاتهم وعلاقاتهم بشكل أكثر دقة.

تعميق علم النسب.. من القبائل إلى الجينات
في مصر، للقبائل والعائلات مكانة خاصة. فالعديد من المصريين يهتمون بمعرفة أصولهم العائلية والقبلية، ويحتفظون بسجلات نسب تمتد لقرون. علم النسب التقليدي يعتمد على الروايات الشفوية والمكتوبة، والتي قد تكون عرضة للأخطاء والتدليس. لكن علم النسب الجيني يعتمد على تحليل الحمض النووي، وهو أدق وأكثر موضوعية.

بحسب دراسة أجراها معهد البحوث الطبية في الإسكندرية عام 2025، وجد أن 67% من المصريين لديهم رغبة في معرفة أصولهم الجينية، و43% منهم على استعداد لدفع رسوم لإجراء الفحوصات اللازمة . هذه النسبة العالية تعكس اهتمام المصريين بجذورهم، ويمكن الاستفادة منها في بناء قاعدة بيانات جينية وطنية، تخدم أغراضاً صحية وأمنية واجتماعية في نفس الوقت.

كما أن تعميق علم النسب الجيني يمكن أن يساعد في حل النزاعات العائلية والقبلية، التي لا تزال تشكل نسبة كبيرة من قضايا المحاكم المصرية. بحسب إحصاءات وزارة العدل، تصل نسبة قضايا النسب والميراث إلى 15% من إجمالي القضايا المدنية . استخدام البصمة الجينية في هذه القضايا يمكن أن يقلل من وقت التقاضي ويحقق العدالة بشكل أسرع.

نحو مصر 2050.. شعب قادر على التنبؤ بمستقبله
في عام 2050، سيكون تعداد مصر قد تجاوز 150 مليون نسمة، وسيكون متوسط العمر المتوقع قد ارتفع إلى 80 عاماً، وستكون التحديات الصحية والغذائية والوظيفية أكبر بكثير مما هي عليه اليوم. للتغلب على هذه التحديات، نحتاج إلى أدوات متقدمة لإدارة السكان والموارد. البطاقة الجينية هي واحدة من هذه الأدوات.

بحسب سيناريوهات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، من المتوقع أن تصل نسبة المصابين بالأمراض المزمنة في مصر عام 2050 إلى 35% من السكان، وأن تصل نسبة كبار السن (65 سنة فأكثر) إلى 10% . هذه الأرقام تعني أن النظام الصحي الحالي غير قادر على مواجهة هذا العبء، ما لم يتم التحول من العلاج إلى الوقاية. والوقاية تبدأ بمعرفة الاستعداد الجيني للأمراض.

كذلك، من المتوقع أن تصل نسبة العاملين في القطاع غير الرسمي إلى 40% من القوى العاملة، مما يعقد عملية التخطيط للقوى البشرية والضمان الاجتماعي . البطاقة الجينية يمكن أن تساعد في دمج هذه الفئة في المنظومة الرسمية، من خلال ربطها بقاعدة بيانات وطنية موحدة.

التحديات.. من الخصوصية إلى التشريعات
رغم فوائد البطاقة الجينية، فإن تطبيقها يواجه تحديات كبيرة. أول هذه التحديات هو الخصوصية. فمشاركة البيانات الجينية مع الدولة أو أي جهة أخرى تثير مخاوف مشروعة حول سوء استخدام هذه البيانات. هل ستستخدمها شركات التأمين لتمييز ضد من لديهم استعداد وراثي للأمراض؟ هل ستستخدمها جهات العمل لاستبعاد من لديهم قدرات وراثية محدودة؟ هذه أسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة في التشريعات.

بحسب استبيان أجرته مؤسسة “جالوب” في مصر عام 2025، أعرب 58% من المصريين عن استعدادهم للمشاركة في قاعدة بيانات جينية وطنية، بشرط وجود حماية قانونية صارمة لخصوصية بياناتهم . هذه النسبة تشير إلى أن الجمهور ليس ضد الفكرة، لكنه يحتاج إلى ضمانات.

ثانياً، التشريعات. مصر لا تملك حالياً قانوناً متكاملاً يحمي البيانات الجينية للمواطنين. هناك مشروع قانون لحماية البيانات الشخصية صدر في عام 2020، لكنه لا يتناول البيانات الجينية بشكل محدد . هناك أيضاً قانون رقم 141 لسنة 2021 بشأن تنظيم البحوث الطبية والإكلينيكية، لكنه لا يغطي استخدام البيانات الجينية في غير الأغراض البحثية . نحتاج إلى قانون جديد ينظم جمع وتخزين واستخدام البيانات الجينية، ويحدد الجهات المخولة بالاطلاع عليها، والعقوبات في حالة سوء الاستخدام.

ثالثاً، البنية التحتية. تسلسل الجينوم البشري الكامل يكلف حالياً حوالي 200 دولار للعينة الواحدة، ويسلسل 76.5 مليون جينوم مصري سيكلف حوالي 15 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم . لكن الحل ليس في تسلسل الجينوم الكامل للجميع، بل في تسلسل الجينات المرتبطة بالأمراض الشائعة فقط، والتي يمكن إجراؤها بتكلفة أقل بكثير (حوالي 20-50 دولاراً للعينة). هذا الحل يمكن تطبيقه تدريجياً، بدءاً بالمواليد الجدد، ثم الفئات الأكثر عرضة للأمراض، ثم باقي السكان.

رابعاً، القبول المجتمعي. هناك مخاوف دينية وأخلاقية حول تعديل الجينات أو استخدامها في غير الأغراض العلاجية. لكن ما نقترحه هنا ليس تعديلاً للجينات، بل مجرد قراءتها وتخزينها. الفتوى الدينية الصادرة عن الأزهر الشريف عام 2023 أكدت جواز استخدام البصمة الجينية في التعرف على الهوية والأغراض الطبية والقانونية، مع التأكيد على حرمة استخدامها في التمييز أو التحسين الوراثي . هذا الموقف الديني يمكن أن يساعد في تقبل المجتمع للفكرة.

خاتمة.. نحو شعب يقرأ جيناته كما يقرأ اسمه
في النهاية، تبقى البطاقة الجينية حلم المستقبل. حلم يمكن أن يتحقق إذا توفرت الإرادة السياسية، والتمويل الكافي، والتشريعات الحامية، والقبول المجتمعي. حلم يبدأ اليوم، بخطوات صغيرة، ويمتد لعقود، ليغير مفهوم الهوية الصحية والوظيفية والأمنية للمواطن المصري.

تخيل مصر عام 2050، حيث كل مواطن يحمل بطاقة تحمل شفرته الوراثية، ويعرف استعداده للأمراض قبل ظهورها، ويعرف قدراته الوظيفية قبل اختيار مهنته، ويعرف أصوله العائلية قبل البحث عنها في كتب النسب. تخيل دولة تخطط لمواردها الصحية والغذائية بناءً على البيانات الجينية لسكانها، وتوجه استثماراتها نحو المحاصيل والعلاجات التي يحتاجها شعبها حقاً. تخيل نظاماً صحياً يعالج الأمراض قبل ظهورها، ونظاماً غذائياً يغذي الجينات بما تحتاج إليه، ونظاماً وظيفياً يوظف القدرات في المكان المناسب.

هذا هو حلم مصر 2050، حلم نبدأ في بنائه اليوم، بخطوة واحدة: ربط الرقم القومي بالشفرة الوراثية.

سؤال للقارئ
بينما تقرأ عن هذه الرؤية الطموحة، عن بطاقة شخصية تحمل شفرة حياة كل مصري، عن قدرة على التنبؤ بالأمراض قبل ظهورها، عن توجيه الموارد الصحية والغذائية وفق الاحتياجات الجينية، يبقى السؤال مفتوحاً لك: هل أنت مستعد لأن تصبح شفرتك الوراثية جزءاً من هويتك الرسمية؟ وما هي الضمانات التي تحتاجها لتشارك في هذه الرحلة؟ وكيف يمكن لمصر أن تحول هذه الرؤية إلى واقع يخدم المواطن والدولة معاً؟

السيادة الجينية.. الكنز المصري في سحابة وطنية مشفرة
بصفتي رئيساً لقسم بحوث دراسة الخلية، أجد لزاماً عليّ التوقف عند قضية في غاية الخطورة والأهمية، وهي “السيادة الجينية”. إن البيانات الوراثية للمصريين ليست مجرد أرقام صحية، بل هي “ثروة قومية” وكنز بيولوجي لا يقدر بثمن. لذا، فإن مشروع “البطاقة الجينية” يجب أن يرتكز على بنية تحتية رقمية فائقة التأمين، تتمثل في “سحابة حكومية مصرية سيادية”، مشفرة بأحدث تقنيات الأمن السيبراني.

إن الهدف من هذه الخصوصية الصارمة هو قطع الطريق أمام شركات التكنولوجيا الحيوية والمختبرات العالمية التي قد تسعى لاستغلال الخصائص الوراثية الفريدة للشعب المصري لأغراض تجارية أو بحثية دولية دون وجه حق، أو دون عائد مباشر يعود على المواطن والدولة. إن حماية “الشفرة المصرية” هي جزء لا يتجزأ من حماية الأمن القومي في العصر الرقمي؛ فنحن لا نبني قاعدة بيانات فحسب، بل نحمي الهوية البيولوجية للأجيال القادمة، ونضمن أن تظل مفاتيح مستقبلنا الصحي بأيدٍ مصرية خالصة، تُدار بعقولنا ولصالح شعبنا وحده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى