أسعار النفط العالمية اليوم وحقيقة الفائض التاريخي في 2026

أسعار النفط العالمية اليوم وحقيقة الفائض التاريخي في 2026
كتبت: وفاء عبدالسلام
قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي إن توقعات هبوط أسعار النفط إلى مستويات الأربعينيات أو الخمسينيات لم تتحقق، رغم إجماع واسع بين مؤسسات مالية على وجود فائض كبير في الأسواق.
وأضاف أن فقدان أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا خلال بعض الفترات، نتيجة هجمات على منشآت مؤثرة في إمدادات قازاخستان، وتراجع صادرات البرازيل، وعواصف ضربت أميركا الشمالية، كان العامل الحاسم في دعم أسعار النفط.
وأوضح أن أسعار الخام الحالية، حتى بعد خصم العلاوة السياسية المقدرة بين دولارين و4 دولارات، تبقى في نطاق الستينيات، وهو مستوى أعلى بكثير من توقعات الانخفاض الحاد التي روّجت لها بعض البنوك.
وأشار إلى أن الفائض الحقيقي في أسواق النفط، معناه امتلاء المخزونات لدى المنتجين وعدم قدرتهم على بيع النفط، وهو ما يضطرهم إلى خفض الإنتاج أو الأسعار بقوة، وهو أمر لم يحدث في أي دولة رئيسة.
أسعار النفط
وأكد أنس الحجي أن أسعار النفط الحالية لم تعكس سلوك سوق تعاني فائضًا ضخمًا، إذ لم نشهد تخفيضات قسرية واسعة أو بيعًا بأي ثمن لتصريف المخزون، كما يحدث عادة في حالات التخمة الفعلية.
وأضاف أن جزءًا كبيرًا من النفط العالمي يُباع في الوقت الحالي من خلال عقود طويلة الأجل، وليس في الأسواق الفورية، وهو الأمر الذي يقلل احتمالات حدوث تخمة مفاجئة تؤدي إلى انهيار الأسعار.
ولفت إلى أن التركيز المفرط على السوق الفورية يضلل التحليل، لأن الكميات المتداولة فيها تمثّل نسبة محدودة من الإجمالي، في حين تعتمد دول منظمة أوبك والسعودية على عقود مسبقة مع مشترين محددين.
وبيّن أن مخزونات النفط الخام العالمية ارتفعت بالفعل إلى مستويات قياسية، لكن الزيادة وحدها لا تعني وجود فائض، بل يجب تحليل مصدرها وطبيعتها قبل إطلاق أحكام متسرعة بشأن توازن السوق.
وشدد على أن أسعار النفط قد تتأثر فعلًا، ولكن ذلك سيكون في حالة ظهور مؤشرات واضحة على امتلاء المخازن وعدم وجود مشترين، وهو سيناريو لم يتحقق حتى الآن وفق البيانات المتاحة.
قراءة مختلفة لأرقام المخزونات
قال الدكتور أنس الحجي إن الصين رفعت مخزوناتها بنحو 115 مليون برميل منذ بداية 2025، مؤكدًا أن هذه الزيادة تعكس قرارًا إستراتيجيًا بالتخزين تحسبًا لأزمات محتملة، وليس نتيجة فائض غير مرغوب فيه.
وأوضح أن أسعار النفط لا يمكن تفسيرها بمعزل عن هذه التحركات الصينية، إذ إن بكين تخزن النفط والغاز والفحم وحتى المعادن والمواد الغذائية، في إطار استعدادات بعيدة المدى لسيناريوهات جيوسياسية معقدة.
وأشار أنس الحجي إلى أن بقية العالم سجلت زيادة بنحو 76 مليون برميل، لكن توزيع هذه الكمية يكشف عن أن جزءًا معتبرًا منها ذهب إلى مخزونات إستراتيجية وليس إلى مخازن تجارية ممتلئة بلا مشترين.
وأكد خبير اقتصادات الطاقة العالمية أن 22 مليون برميل دخلت الاحتياطي الإستراتيجي الأميركي، ما يجعلها غير متاحة للتداول في السوق، وبالتالي لا يصح تصنيفها ضمن فائض يضغط على أسعار النفط.
وأضاف أن نحو 15 مليون برميل من النفط الخام قد خُزّنت في الهند لتعويض انخفاض سابق في المخزون، وهو إجراء تشغيلي لإعادة التوازن، وليس إشارة إلى ضعف الطلب أو صعوبة تصريف الإمدادات.
ولفت إلى أن كميات إضافية، منها 6 ملايين برميل من النفط الخام في إيران، لا تعكس وجود أزمة تتعلق بالبيع، بل ترتبط بظروف لوجستية وعقوبات، ما يستوجب قراءة تفصيلية بدل الاكتفاء بالأرقام الإجمالية.
وبيّن أن جمع كل هذه الزيادات ووصفها فائضًا تاريخيًا في أسواق النفط خلال العام الجاري 2026 يُعد تبسيطًا مخلًا، لأن الفائض الحقيقي يتطلب عجزًا عن التسويق، وهو ما لم تُظهره سلوكيات المنتجين حتى الآن.
واختتم أنس الحجي تصريحاته بالقول إن أسعار النفط ستظل رهينة التوازن الفعلي بين العرض والطلب، لا التوقعات النظرية، مؤكدًا أن قراءة دقيقة للبيانات تكشف عن أن الحديث عن فائض ضخم في 2026 مبالغ فيه إلى حد كبير.



