العيش في قاع البحر: مشروع «فانغارد» يفتح عصرًا جديدًا لعلم المحيطات

العيش في قاع البحر: مشروع «فانغارد» يفتح عصرًا جديدًا لعلم المحيطات
مصر: ايهاب محمد زايد
العودة إلى الأعماق: فجر عصر الإنسان المائي
لطالما ظلّ المحيط لغزًا هائلًا يلفّ أكثر من ثلثي كوكب الأرض، ومع ذلك بقي بعيد المنال عن العلماء، ليس لقلة الشغف، بل لصعوبة الإقامة البشرية في أعماقه. اليوم، يبدو أن هذا الواقع على وشك أن يتغير، مع الإعلان عن مشروع علمي طموح يحمل اسم «فانغارد – Vanguard»، قد يفتح الباب أمام عصر جديد من البحث العلمي تحت سطح البحر.
فانغارد ليس غواصة، ولا مختبرًا عابرًا، بل مسكنٌ متكامل في قاع البحر، صُمّم ليكون بيتًا ومكان عمل للعلماء، يسمح لهم بالعيش أسابيع وربما أشهر متواصلة في الأعماق. تقف خلف هذا المشروع شركة DEEP الدولية، التي تسعى إلى تحقيق حلم جريء: جعل الإنسان كائنًا مائيًا قادرًا على الإقامة الطويلة تحت البحر.
لماذا نحتاج إلى العيش في الأعماق؟
يمثّل المحيط أكبر مختبر طبيعي على كوكب الأرض، فهو غنيّ بالحياة، والطاقة، والموارد، والأسرار التي لم تُكتشف بعد. لكن المفارقة أن أغلب أبحاث المحيطات تعتمد على زيارات قصيرة، حيث يهبط العلماء لساعات ثم يعودون سريعًا إلى السطح، مقيدين بحدود الزمن والضغط.
أما الإقامة الدائمة في الأعماق، فهي تمنح العلماء فرصة نادرة لمراقبة البيئة البحرية كما هي، على مدار الساعة، ودراسة الكائنات وسلوكها دون تشويه أو استعجال. وهنا تكمن أهمية فانغارد.
فانغارد: خطوة أولى نحو مدن تحت البحر
يبلغ حجم فانغارد تقريبًا حجم حاوية شحن، لكنه مصمم بذكاء ليستوعب أربعة أشخاص في بيئة مريحة نسبيًا، وعلى عمق يصل إلى 50 مترًا تحت سطح البحر. والأهم أنه قادر على تحمّل الظروف القاسية، حتى تأثيرات أعاصير من الدرجة الخامسة، بفضل وزنه الهائل الذي يتجاوز 200 طن ونظام تثبيت يُغرس في قاع البحر.
هذا المسكن ليس غاية في حد ذاته، بل نموذج تجريبي يمهّد الطريق لمشروع أكبر يُدعى «سنتينل – Sentinel»، وهو مجمع سكني تحت البحر متعدد الوحدات، قد يسمح بإقامة أطول وأكثر تعقيدًا.
من ستينيات القرن الماضي… إلى اليوم
ليست فكرة السكن تحت البحر جديدة كليًا. ففي ستينيات القرن العشرين، جرت محاولات رائدة مثل مشاريع جاك كوستو، ومحطات بحثية عسكرية وعلمية، كان آخرها مختبر أكواريوس في فلوريدا خلال ثمانينيات القرن الماضي، والذي استفادت منه حتى وكالة ناسا في تدريب روّاد الفضاء على العزلة الطويلة.
لكن بعد ذلك، ساد الصمت لعقود. واليوم، يأتي فانغارد ليكسر هذا الجمود، مستفيدًا من التطور الهائل في تقنيات الهندسة البحرية، والطاقة، والمواد، والمركبات تحت الماء.
العلم… ولكن بلمسة إنسانية
ما يميز فانغارد عن سابقاته أنه لا يركّز فقط على البقاء، بل على الراحة النفسية والإنسانية. فالتصميم الداخلي يراعي الإضاءة، والنوافذ، واتساع الرؤية، لتجنّب الشعور بالاختناق. كما أُضيفت لمسات غير مألوفة في البيئات تحت البحرية، مثل الستائر، والأقمشة المختارة بعناية، مع اختبارات دقيقة لضمان سلامتها في بيئة مضغوطة.
إنها بيئة علمية، نعم، لكنها أيضًا مكان للعيش، حيث يدرك المصممون أن راحة الإنسان شرط أساسي للإبداع والاكتشاف.
نحو عصر «الأكوانوت»
كما غيّر رواد الفضاء نظرتنا إلى الكون، قد يغيّر رواد الأعماق – Aquanauts فهمنا للمحيطات والحياة على الأرض. فالإقامة الطويلة تحت البحر قد تكشف أنماطًا جديدة للحياة، وتساعد في حماية النظم البيئية، وربما تفتح آفاقًا غير متوقعة في الطاقة والغذاء والطب.
إن مشروع فانغارد لا يمثّل مجرد إنجاز هندسي، بل بداية تحول حضاري، يعيد وصل الإنسان بآخر حدود كوكبه المجهولة. ومعه، قد نكون على أعتاب زمن جديد… زمن لا ننظر فيه إلى البحر من فوق، بل نعيش في قلبه.



