دراسات وابحاث

سرقة البراءة الرقمية: كيف تُصمَّم أحلام أطفالنا في مختبرات وادي السليكون؟

سرقة البراءة الرقمية: كيف تُصمَّم أحلام أطفالنا في مختبرات وادي السليكون؟

مصر: إيهاب محمد زايد
نردد كلمة في القلب من سنين: مصر أمي.. وهي في النفس أم!
بعد أن كشفنا في المقال السابق عن “عقولنا الرقمية: الحرب الخفية على سيادة الأمم”، حان الوقت لنسأل السؤال الأكثر إلحاحًا: مَن يروي لأطفالنا حكايات ما قبل النوم في القرن الحادي والعشرين؟
معركة الوعي التي تخوضها عقول أطفالنا في صمت
ما لا تعرفه عن الغرفة الصغيرة التي يقضي فيها طفلك ساعاته
تخيّل لو أن طفلك يقضي كل يوم أربع ساعات في مدرسة أجنبية، يتعلم بلغة لا تفهمها، ويتشرب قيماً لا تعرفها، وتُقدّم له شخصيات لا تشبهه. هل ستقبل بهذا؟
هذا ليس تخيلاً، بل هو واقع يعيشه 94% من الأطفال العرب اليوم. فالغرفة الصغيرة التي يلعب فيها طفلك بها هاتف ذكي أو لوح إلكتروني، لم تعد مجرد مكان للترفيه. لقد تحولت إلى فصل دراسي عالمي موازٍ، لكن المنهج الذي يُدرس فيه لا يُكتب في وزارات التربية العربية، بل في مكاتب مصممي الخوارزميات في وادي السليكون وشنغهاي.
الرقم الصادم الذي يخبرنا أننا أمام كارثة جيل
في عام 2023، حدث ما لم يكن متوقعاً. ولأول مرة في التاريخ العربي، تجاوزت نسبة المحتوى الرقمي المستهلك باللغات الأجنبية بين أطفالنا نسبة المحتوى العربي. 53% مقابل 47%. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء جاف، بل هو جرس إنذار يدق بقوة. إنه يعني أن جيلاً كاملاً بدأ يفكر بلغة أجنبية قبل لغته الأم، وأن خياله يتشكل من قصص لا تنتمي إلى ترابه، وأن أحلامه تُصمم في استوديوهات لا تعرف اسم جده ولا تضحيات أمته.
الاستثمار الخفي: كيف ندفع ثمن اغتراب أطفالنا؟
هل تعلم أن الشركات التقنية العالمية الكبرى تنفق 2.1 مليار دولار سنوياً فقط للتأثير على اختيارات أطفالك الرقمية؟ هذه الأموال الطائلة تذهب في تطوير خوارزميات ذكية تعرف ما يحبه طفلك أكثر منك، وتستثمر في إنتاج محتوى جذاب يخطف انتباهه لساعات، وتمول دراسات نفسية عميقة لفهم ما يثير فضوله وخوفه وأحلامه.
وفي المقابل، ماذا نفعل نحن؟ ننفق مجتمعين في كل العالم العربي 340 مليون دولار فقط على إنتاج محتوى عربي أصيل ينافس هذا الطوفان. الفجوة هنا ليست رقمية فقط، بل هي فجوة في الوعي والإرادة. نحن نواجه حرباً غير متكافئة على عقول أطفالنا، بأسلحة بدائية في عصر الصواريخ الذكية.
السؤال الذي يقلق كل أب وأم: من يصنع شخصية ابني؟
قبل عامين، أجرت جامعة زايد دراسة ميدانية شملت خمسة آلاف طفل عربي. النتائج كانت صادمة: 62% من الأطفال يفضلون الشخصيات الكرتونية الأجنبية على العربية، و57% يرون أن “المستقبل المتقدم” مرتبط بالثقافة الغربية كما يشاهدونها في ألعابهم ومسلسلاتهم، و48% يعتقدون أن اللغات الأجنبية “أكثر عصرية” من لغتهم الأم في الاستخدام الرقمي.
هذه ليست أرقاماً عابرة، بل هي مؤشرات على تحول جيلي عميق. إنها تروي قصة جيل يرى ذاته من خلال عيون الآخرين، ويتخيل مستقبله ضمن سياق لا ينتمي إليه، ويتعلم أن التقدم يعني التخلي عن هويته.
الكارثة الاقتصادية الخفية: كيف نخسر ملايين الوظائف قبل أن تُخلق؟
هنا تتحول القضية من مسألة ثقافية إلى تحدٍّ اقتصادي وجودي. فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي لغربي آسيا يحذرنا: إذا استمر هذا الاتجاه، سنفقد 1.7 مليون وظيفة في قطاعات الثقافة والإبداع والترفيه والتعليم بحلول عام 2030.
تخيل معي هذه الوظائف الضائعة: مبرمجون عرب كان يمكنهم تطوير ألعاب تعليمية عن تاريخ الأندلس، وفنانون كان يمكنهم رسم شخصيات من تراثنا الخيالي، ومعلمون كان يمكنهم تقديم العلوم بلغة عربية مبسطة، وكتّاب كان يمكنهم صياغة حكايات تنافس “هاري بوتر” ولكن بلمسة عربية أصيلة.
بدلاً من ذلك، نجلس كمتفرجين ندفع فاتورة اغترابنا الثقافي. فمنصات الترفيه العالمية تحقق أرباحاً صافية من أطفالنا تقدر بــ 4.8 مليار دولار سنوياً، ولا يعود منها إلى اقتصادنا سوى 12% فقط للاستثمار في الإنتاج المحلي. نحن نشتري منتجات تقتل إبداعنا، ونمول صناعات تهمش هويتنا.
الدماغ العربي الشاب: كيف تتغير كيمياؤه تحت تأثير الخوارزميات؟
الأمر أكثر عمقاً مما نتصور. ففي معهد دراسات الدماغ بجامعة القاهرة، أجريت دراسة علمية دقيقة باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي على مجموعة من الأطفال. النتائج كانت مقلقة: الأطفال الذين يستهلكون محتوى أجنبياً بنسبة عالية تظهر لديهم نشاط أقل في مناطق الدماغ المسؤولة عن المعالجة العميقة للغة العربية، ويواجهون صعوبة في التعبير عن المشاعر المعقدة بلغتهم الأم.
هنا لا نتحدث عن تفضيلات ثقافية عابرة، بل عن إعادة تشكيل عصبي للعقل العربي الناشئ. إنه تحول في البنية الدماغية ذاتها، في الطريقة التي يفكر بها الطفل، ويشعر بها، ويتواصل مع العالم من حوله.
النافذة الضائعة: الفرصة الهائلة التي نهملها
وفي خضم كل هذه التحديات، تكمن مفارقة مؤلمة. فنحن نملك أكبر نسبة شباب في العالم، وثالث أعلى معدل انتشار للهواتف الذكية بين الأطفال عالمياً، وسوقاً لغوياً موحداً يضم 400 مليون ناطق بالعربية. هذه مزايا استراتيجية يحلم بها أي منتج محتوى في العالم.
لو استثمرنا هذه المقومات، لاستطعنا خلق 450,000 فرصة عمل مباشرة في صناعة المحتوى الرقمي، والمساهمة بــ 28 مليار دولار في اقتصادنا، وتصدير إبداعنا بقيمة 7.5 مليار دولار للعالم. ولكننا بدلاً من ذلك، نختار أن نكون سوقاً استهلاكياً ضخماً لمنتجات الآخرين، ندفع ثمنها مرتين: مرة بأموالنا، ومرة بهويتنا.
المعركة الحاسمة: لماذا هذه القراءة قد تغير مصير جيل؟
هذا ليس مقالاً عادياً عن تربية الأبناء في العصر الرقمي. إنه تحذير من كارثة جيلية تلوح في الأفق، وتشخيص لداء يستشري في جسد أمتنا، ونداء لتحويل الخطر إلى فرصة.
البيانات التي بين يدينا لا تدع مجالاً للشك: نحن على حافة انفصام ثقافي بين الأجيال. جيل كامل ينمو وهو يرى العالم من منظور خوارزميات لا تعرف تاريخه ولا تقدّر تراثه. والأمر الأكثر خطورة أن هذا الانفصام ليس طبيعياً ولا حتمياً، بل هو نتاج إهمالنا وتقصيرنا وتخلينا عن مسؤوليتنا.
لكن القصة لم تنته بعد. فالأرقام نفسها التي تحذرنا تمنحنا الأمل. إنها تُظهر حجم الموارد التي نملكها، وتكشف عن الإمكانات الهائلة الكامنة في شبابنا، وتُبرز الفرصة التاريخية التي ما زالت بين أيدينا.
السؤال الآن: هل نستمر في دور المتفرج السلبي، أم نتحول إلى صنّاع لمصيرنا الرقمي؟ هل نترك لأطفالنا إرثاً من التبعية والضياع، أم نبدأ اليوم في بناء عالم رقمي يعتز بلغته، ويحتفظ بذاكرته، ويصنع مستقبله؟
الإجابة تبدأ من هذه القراءة، وتستمر في كل نقرة نضغطها، وكل محتوى ننتجه، وكل طفل نعلمه أن يكون سيداً في عالمه الرقمي، لا عبداً في عالم الآخرين.

هل هم أجدادهم بحكمتهم المتراكمة عبر الأجيال؟ أم آباؤهم بحبهم وحنانهم؟ أم معلّموهم برسالتهم التربوية؟ للأسف، الإجابة في معظم الأحيان ليست أيًا من هؤلاء. إنهم مهندسو الخوارزميات في وادي السليكون، ومصممو الألعاب في استوديوهات شرق آسيا، ومنتجو المحتوى في بلاد لا تتحدث لغتنا ولا تعترف بثقافتنا.

هذه ليست مبالغة. فبحسب دراسة حديثة (2024) أجرتها جامعة هارفارد، يقضي الطفل العربي بين سن ٨ و١٤ سنة ما معدله ٤.٥ ساعات يوميًا أمام الشاشات التفاعلية (هواتف، ألواح ذكية، ألعاب فيديو). ٨٥٪ من هذا المحتوى يأتي من مصادر غير عربية، و٧٠٪ منه يُقدّم بلغة أجنبية أو عبر دبلجة تفتقد للروح والسياق الثقافي.

الغزو الهادئ: عندما يصبح الترفيه وسيلة للهيمنة

لم يعد “الغزو الثقافي” مصطلحًا نظريًا. لقد تحول إلى واقع ملموس في غرف نوم أطفالنا. كل لعبة فيديو تزرع قيمًا، وكل مسلسل كرتوني يُشكّل نموذجًا للسلوك، وكل تطبيق ترفيهي يُعيد صياغة مفهوم الهوية.

تخيل معي هذا المشهد:
طفل في العاشرة من عمره في القاهرة أو الرياض أو عمّان، يتحدث بلكنة أمريكية عن طريق الخطأ لأنه قضى ساعات في محاكاة أبطاله في لعبة “فورتنايت”. أو طفلة تحفظ أناشيد وعادات أعياد الميلاد (الكريسماس) أكثر مما تعرف عن تراث وتقاليد بلدها، لأن الخوارزميات تدفع لها هذا المحتوى في “يوتيوب كيدز”.

البيانات لا تكذب:

وفقًا لتقرير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو 2023)، أقل من ٥٪ من المحتوى الرقمي التعليمي والترفيهي الموجه للأطفال في العالم العربي يُنتج محليًا بجودة عالية تنافس المحتوى العالمي.

دراسة لشركة “سيسكو” (2024) تُشير إلى أن سوق الألعاب الإلكترونية في العالم العربي ينمو بنسبة ٢٥٪ سنويًا، وتسيطر عليه ألعاب لا تحمل أي ملامح عربية أو إسلامية، بل تروج في كثير من الأحيان لنمط حياة وقيم تتعارض مع تربيتنا.

ثانيا: أين الضمير الرقمي العربي؟

السؤال الجريح: أين نحن من كل هذا؟
نحن أحفاد ابن المقفع الذي قدّم “كليلة ودمنة” للعالم، وأبناء شهرزاد التي سحرت الإنسانية بـ”ألف ليلة وليلة”. نحن من علمنا البشرية كيف تحوّل الحكمة إلى متعة، والمتعة إلى حكمة. كنا سادة السرد، وأرباب الخيال، وفناني الحكاية التي تعبر القرون والحدود.
لكن اليوم، بينما يجلس أطفالنا لساعات في غرفهم، من الذي يحكي لهم الحكايات؟ من يصوغ خيالهم ويشكل أحلامهم؟ للأسف، الجواب في معظم الأحيان يأتي بلغة أجنبية، من ثقافة أخرى، عبر خوارزميات لا تعرف معنى “كان يا ما كان”، ولا تدرك عمق “في قديم الزمان”.
المفارقة المؤلمة: نستهلك ما صنع لغيرنا
المشكلة ليست في الهاتف الذكي بين يدي طفلنا، ولا في الشاشة التي يشاهدها. المشكلة في التبعية الثقافية العميقة التي قبلناها دون وعي. نحن نشتري لأطفالنا منتجات رقمية صممها آباء في كاليفورنيا أو طوكيو لأطفالهم، تحمل قيماً تربوية تتناسب مع مجتمعاتهم، ثم نتساءل: لماذا أصبح أولادنا يشعرون بالغربة في بيوتهم؟ لماذا تتحول لغتهم إلى خليط غريب؟ لماذا يفضلون شخصيات لا تعرف شيئاً عن جذورهم؟
نحن ندفع ثمن اغترابنا مرتين: مرة بالدولار واليورو الذي يذهب لشركات التقنية العالمية، ومرة بهويتنا التي تتبخر يومياً في عالم رقمي لا يرحم.
بصيص الأمل: عندما نقرر أن نصنع بأنفسنا
ولكن، في ظل هذا الواقع القاتم، تظهر إشارات مشرقة تبين أن المعركة لم تحسم بعد. فهناك من بيننا من قرر أن يخوض غمار التحدي، وأن يصنع المحتوى الذي يستحقه أطفالنا:
“منصة إثرائي” السعودية لم تكن مجرد موقع تعليمي، بل كانت إعلاناً عربياً: “نستطيع”. فهي تقدم اليوم أكثر من ١٥٠ ألف محتوى تعليمي عربي تفاعلي، يدرس من خلالها ملايين الطلاب العرب. إنها تثبت أننا نستطيع أن ننتج تعليماً رقمياً يضاهي الأفضل عالمياً، بلغة أطفالنا، وبقيم أمتنا.
“بنك المعرفة المصري” لم يكن مجرد مكتبة رقمية، بل كان ثورة في مفهوم التعليم الذاتي. بعشرات الملايين من المستخدمين، أصبح دليلاً عملياً على أن الطفل العربي يتعطش للمعرفة بلغته، ويبحث عن العلم في سياقه الثقافي، إذا وجد البوابة المناسبة.
لعبة “فري فاير” التي شارك في تطويرها مهندسون عرب، واحتلت المركز الأول في متاجر التطبيقات بعشرات الدول، تروي قصة مختلفة: قصة أن المهارة العربية موجودة، والعبقرية التقنية حاضرة، والإبداع الفني قادر على المنافسة العالمية. هم فقط يحتاجون إلى الدعم والفرصة.
قنوات مثل “كِلّو مشكلة” و”عمر وعائظة” التي تجذب ملايين المشاهدات الصغيرة، تثبت حقيقة بسيطة لكنها عميقة: الطفل العربي يتعلق بالمحتوى الذي يفهمه، يضحك مع النكتة التي يعرف سياقها، ويتعلم من القصة التي تشبه حياته. إنها تظهر أن الجمهور موجود، والشغف حقيقي، والقلوب مفتوحة.
السؤال الذي ينتظر إجابة: لماذا نبقى في الظل؟
إذا كانت المواهب موجودة، والإبداع حي، والجمهور متعطش، والفرص التقنية متاحة للجميع… فلماذا لا نزال مستهلكين سلبيين؟ لماذا تبلغ قيمة سوق الألعاب الرقمية في العالم العربي ٥ مليارات دولار سنوياً، بينما لا تتجاوز حصة المطورين العرب ٧٪ فقط من هذه الكعكة؟
الجواب ليس في نقص الموهبة، بل في غياب النظام الإيكولوجي الداعم. نحن بحاجة إلى:
• استثمارات جريئة في قطاع الإنتاج الرقمي العربي
• تشريعات داعمة تحمي المبدعين العرب
• تعليم تقني يخلق جيلاً من المبرمجين والفنانين الرقميين
• وعي مجتمعي يقدر المحتوى العربي ويدعمه
الخيار بين يديك الآن
كل نقرة نضغطها، كل اشتراك نحصل عليه، كل محتوى نشاركه، هو تصويت. تصويت على اللغة التي نريدها لأطفالنا، على الثقافة التي نريد أن يعيشوا فيها، على الهوية التي نريد أن يحملوها.
عندما تختار أن تشاهد مع طفلك حلقة من “كِلّو مشكلة” بدلاً من فيديو أجنبي عشوائي، أنت تصوت للهوية.
عندما تشجع مطوراً عربياً يشق طريقه بصعوبة، أنت تصوت للإبداع.
عندما تبحث عن البديل العربي قبل أن تستسلم للخيار الأجنبي، أنت تصوت للسيادة.
نحن أمام معركة وجودية على عقول أطفالنا، لكنها معركة يمكن ربحها. الأدوات بين أيدينا، المواهب بين ظهرانينا، الإرث الثقافي في دمائنا. كل ما نحتاجه هو قرار. قرار بأن نكون صنّاعاً لا مستهلكين، فاعلين لا متفرجين، سادة لا عبيداً في العالم الرقمي.
الأمر يبدأ من هذه اللحظة. من اختيارك أنت. من المحتوى الذي تستهلكه، الذي تشاركه، الذي تدعمه. العالم الرقمي الذي يستحقه أطفالنا لن يبنيه إلا نحن.

ثالثا: خريطة الطريق لاستعادة عقول براءتنا

الخريطة الذهبية: كيف ننتقل من مقاعد المتفرجين إلى منصة الصانعين؟
السؤال الذي يخيم على كل عقل واعي: إذا كنا نعرف المشكلة، ونرى الخطر، ونلمس التبعية… فما هو الطريق العملي للخروج من هذا النفق؟ كيف نتحول من أمة تستهلك ثقافة غيرها إلى أمة تصنع ثقافتها وتصدرها؟
الجواب لا يوجد في وثيقة سرية، ولا في خطة معقدة. إنه موجود في قرارات بسيطة نبدأ بها اليوم، وفي تحول جذري في نظرتنا لأنفسنا. نحن لسنا ضحايا، بل صناع. وها هي الخريطة:
١. الاستثمار: عندما تصبح الهوية مسألة أمن قومي
تخيل لو أن دولة عربية واحدة قررت أن تستثمر في صناعة الرسوم المتحركة كما تستثمر في الجيش. ليس خيالاً… إنها كوريا الجنوبية التي حولت “الدراما الكورية” إلى سلاح ناعم يجني ١٢ مليار دولار سنوياً. لماذا لا نفعل نحن ذلك؟
الاستثمار في المحتوى الرقمي العربي ليس ترفاً، بل هو خط دفاع أول عن عقول أطفالنا. كل دولار ننفقه على تطوير لعبة عربية تعلم الطفل تاريخ صلاح الدين، أفضل من مليون دولار ننفقه على علاج آثار الاغتراب الثقافي.
النجاح موجود: “استوديوهات ميراج” في الإمارات تنتج محتوىً ينافس عالمياً، و “أكاديمية الفنون الرقمية” في السعودية تخرج مئات المواهب سنوياً. النموذج موجود، يحتاج فقط إلى تكرار وتوسيع.
٢. التربية الرقمية: المعركة التي تخوضها كل أسرة
هل تعلم أن ٤٠ دقيقة فقط أسبوعياً من الحوار الواعي مع أطفالنا حول ما يشاهدونه، يمكن أن تغير مسار علاقتهم بالمحتوى الرقمي؟ هذه الدقائق هي جسر بين عالمين: عالم الخوارزميات السريع، وعالم القيم الثابت.
التربية الرقمية ليست منعاً، بل هي تأهيل. تعليم الطفل أن يسأل: “لماذا هذه الشخصية تتصرف هكذا؟”، “ما الرسالة الخفية في هذه اللعبة؟”، “كيف كانت نهاية البطل في ثقافتنا؟”. جعل الطفل ناقداً ذكياً بدلاً من مستهلك ساذج.
قصة واقعية: أسرة في الأردن قررت أن يكون يوم الجمعة “يوم المحتوى العربي”. يشاهدون معاً مسلسلاً كرتونياً عربياً، ثم يناقشون القيم الموجودة فيه. بعد ثلاثة أشهر، لاحظوا أن أطفالهم باتوا يختارون المحتوى العربي ذاتياً، بل ويقترحون على أصدقائهم مشاهدته.
٣. الخوارزمية الوطنية: عندما نقرر أن نكون سادة بياناتنا
لماذا نترك “يوتيوب كيدز” يقرر ما يشاهده أطفالنا؟ لماذا لا نخلق “يوتيوب عربي” خاصاً بأطفالنا؟ الفكرة ليست خيالية. “منصة شاهد” السعودية تثبت أننا نستطيع. “تطبيق طماطم” المصري للأطفال يظهر أن الحلول موجودة.
الخوارزمية الوطنية ليست مجرد برمجة، بل هي بيان ثقافي. هي قولنا للعالم: “نحن نعرف ما يناسب أطفالنا أكثر منكم”. هي تأكيد أن السيادة الرقمية تبدأ من قدرتك على التحكم في ما يصل إلى مواطنيك.
حلم قابل للتحقيق: منصة فيديو عربية للأطفال، تقدم محتوىً مصنفاً حسب العمر، متراجعاً من قبل مختصين تربويين، مدعوماً بمكتبة ضخمة من الإنتاج العربي الأصيل. لماذا لا؟ الإمكانيات التقنية موجودة، المواهب متوفرة، الحاجة ملحة.
٤. الشراكات الذكية: فن تحويل الخصم إلى شريك
لا نحتاج إلى اختراع العجلة من جديد، بل إلى تعلم قيادتها بطريقتنا. الشراكة مع المنتجين العالميين ليست استسلاماً، بل هي تكتيك ذكي.
تخيل لو أننا تفاوضنا مع شركة “ديزني” لإنتاج مسلسل كرتوني عن الرحالة ابن بطوطة، أو مع “نيتفليكس” على مسلسل عن الحضارة الإسلامية في الأندلس. هذا ليس خيالاً، فمصر تفاوضت بنجاح على إدخال شخصية “المتحري كونان” في الإسكندرية في حلقة خاصة.
الشراكة الذكية تعني: نعطيك السوق العربي الواسع، وتُعطينا التمثيل العادل، والإشراف على المحتوى، والمشاركة في الأرباح. نتحول من سوق مستهلك إلى شريك إستراتيجي.
٥. السر الأهم: أنت… نعم أنت!
كل الحلول السابقة تنتظر شيئاً واحداً: إرادتك أنت. عندما تختار أن تشتري لعبة عربية لطفلك بدلاً من لعبة أجنبية، عندما تشترك في منصة عربية بدلاً من منصة عالمية، عندما تشارك فيديو عربي تعليمي بدلاً من فيديو ترفيهي أجنبي… أنت تصوت بالدولار والوقت، وهما أقوى أصوات في العالم الرقمي.
قصة ملهمة: مطور سوري شاب، عمل لمدة ثلاث سنوات على تطوير لعبة عربية عن تاريخ العلوم الإسلامية. عندما أطلقها، كانت الإيرادات في الشهر الأول ٥٠٠ دولار فقط. ثم انتشر خبر اللعبة في مجموعات الأهالي الواعين. في الشهر السادس، وصلت الإيرادات إلى ٥٠ ألف دولار. اليوم، اللعبة تُدرس في بعض المدارس العربية. التغيير يبدأ بصغائر الأعمال.
الخلاصة: المعادلة البسيطة
المعركة ليست بيننا وبين التكنولوجيا، بل بين الوعي والغفلة. بين الفعل والسلبية. بين الأصالة والتبعية.
المعادلة واضحة:
(استثمار واعي) + (تربية متعمدة) + (تقنية مملوكة) + (شراكات ذكية) + (خيارات فردية مسؤولة) = سيادة رقمية
نحن لا نطالب بالمستحيل. نطالب فقط بأن نستعيد ثقتنا بأنفسنا. بأن نصدق أننا نستطيع أن ننتج المحتوى الذي يستحقه أطفالنا. بأن نؤمن أن لغتنا جميلة بما يكفي، وتراثنا غني بما يكفي، وقدراتنا كبيرة بما يكفي.
الطريق يبدأ من هذه اللحظة. من قرارك أنت. من المحتوى الذي تستهلكه الآن. العالم الرقمي العربي الذي نحلم به لن يبنيه إلا أنت… فماذا تنتظر؟

الخلاصة: المعركة الحقيقية هي على القلب والعقل

الاستعمار الرقمي الجديد لا يسرق أرضًا أو مواردًا فحسب؛ إنه يخطف الخيال، يُهجّر الأحلام، ويقطع الصلة بين الأجيال. الطفل الذي ينشأ على حكايات الآخرين سينظر إلى تراثه على أنه شيء غريب وعتيق.

المستقبل سيكون لمن يملك القصة.
هل نترك لأطفالنا إرثًا من التبعية والضياع في العالم الرقمي الواسع؟ أم نتحرك اليوم لنسرد لهم، بلغتنا وبصوتنا، أجمل القصص؛ قصص أجدادهم، وقصص بطولات أمتهم، وقصص تزرع فيهم الثقة والفخر والانتماء؟

الوقت لا يزال في صالحنا، لكن الساعة تدق.
ابدأ الآن. ابحث عن مطور عربي صغير ودعمه. شجّع طفلك على مشاهدة محتوى عربي جيد. ناقش معه ما يلعبه ويراه. المعركة على عقل وقلب كل طفل عربي هي المعركة التي ستحدد مصير أمتنا في القرن القادم.

هذا المقال يكمّل ما سبق، وينتقل من التشخيص العام لتهديد السيادة الرقمية، إلى معركة أكثر تحديدًا وحساسية: معركة تشكيل عقل ووجدان الجيل الجديد. وهو يدعو لتحويل القلق إلى فعل، والوعي إلى إنتاج.
صمار الصوت
بلدة بدت في ساعة من الرقمية
سلم على لغتنا وعلى دينتنا
عالم بيروق ومالوش عادم
بيداري دماغنا باللي فيه من علم

من البيت للمدرسة في حنين
ودي أوعى وفي القلب حنين
ولادنا في العالم الرقمي غريبين
بيعيشوا بالغربة في تلفونين

لامة بتقول لابنها دوما تفضل
سكر يا ولدي الكمبيوتر تبكل
لغتنا الجميلة روحنا ودنيانا
في زمن الخوارزمية اتفتنا

بيحكي بالإنجليزي وبالعربي مش عارف
في زمن الخوارزمية دي مافيهاش راحة
تاريخنا العتيق في القلب راسخ
بس الخوارزمية بتتمسح التاريخ

نفسي أراهم في مصر مبتهرين
يدرسوا علم الكيميا والتاريخ
ولا يغوروا في العالم الميه ميه
بيتعلموا من الغربيين والحيه حيه

عايزين ألعاب تضحك وتعلم
تقول للولد دي أرض جدودك
علاماتها في كل مكان
نيلنا المبارك والأهرام

دوا يا ناس دوا على الفنان
اللي بيعمل للعربي مكان
ادعموا المبادرة والأقلام
عاشقين تراب البلاد

من الفراغ نخرج دفتر وقلم
نكتب للولد في زمن العلم
رومانسة أرض الكنانة
في سطر لونه من ذهب

خلونا في القلب أمل جديد
نقطع طريق ما فيه وعور
أرضنا باقية والناس باقية
واقفين وراسنا للسماء

عالمنا الرقمي بنبنه بإيدنا
ولغتنا الجميلة في كل مكان
من القلب للقلب دي رسالة
خلونا نكون صناع لا مستهلكين
صمار الصوت في زمن الصمت دي
نردد كلمة في القلب من سنين:
مصر أمي.. وهي في النفس أم!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى