دراسات وابحاث

حقيقة المرأة من بيتشي هيد: الحمض النووي يكشف هويتها المدهشة

حقيقة المرأة من بيتشي هيد: الحمض النووي يكشف هويتها المدهشة

مصر: إيهاب محمد زايد

عظام المرأة الغامضة من الحقبة الرومانية في بريطانيا، والمعروفة بلقب المرأة من بيتشي هيد، حملت دهشة للعلماء الذين اعتقدوا أنها قد تكون أول بريطانية سوداء، اعتمادًا على ملامحها الظاهرية. لكن تحليل حديث للحمض النووي، أجراه فريق من متحف التاريخ الطبيعي في لندن، قلب هذه الفرضية رأسًا على عقب، ليكشف أن هذه المرأة كانت ذات بشرة فاتحة، تنحدر من السكان المحليين في بريطانيا.

استخدم الباحثون أحدث تقنيات الجينوم وتحليل الحمض النووي القديم، ليتمكنوا من رسم صورة أدق لأصل المرأة بعد ألفي عام من وفاتها. وقد بينت النتائج أن لها صلة وراثية قوية بالأشخاص الريفيين في بريطانيا خلال الاحتلال الروماني، ولا تظهر أي علامات على أصل أفريقي حديث. وبناء على جيناتها، كان من المرجح أن تكون عيناها زرقاوتين، وشعرها فاتح اللون، وبشرتها بين الفاتح والغامق.

العظام نفسها، التي اكتُشفت أول مرة في منتصف القرن العشرين وأُعيد اكتشافها عام 2012 في صندوق موسوم باسم Beachy Head (1959)، أثارت جدلًا طويلًا استمر أكثر من عقد. التقديرات المبنية على تأريخ الكربون المشع وضعت وفاتها بين 129 و311 ميلادية، خلال فترة الاحتلال الروماني لبريطانيا، إلا أن ملامح جمجمتها دفعت بعض الباحثين للاعتقاد بأنها جاءت من منطقة بعيدة.

في عام 2017، أشارت تحليلات أولية إلى أن أصلها قد يكون من شرق البحر الأبيض المتوسط، غير أن البيانات الأحدث أظهرت خطأ ذلك الاستنتاج، مؤكدة أن المرأة كانت جزءًا من السكان المحليين. هذه النتائج لا تصحح فقط مفاهيم تاريخية خاطئة، بل تسلط الضوء على محدودية الاعتماد على المظهر الخارجي لتحديد العرق أو الأصل، وتؤكد أن التنوع البشري لا يمكن اختزاله في ملامح الجمجمة وحدها.

القضية أثارت نقاشات مهمة حول كيفية تصويرنا للأشخاص من الماضي، وكيف يمكن للفرضيات المبنية على مظهر خارجي أن تؤدي إلى استنتاجات مغلوطة. وفي عصر تقدم تقنيات تحليل الجينوم، أصبح بالإمكان الاعتماد على الحمض النووي لتقديم صورة أكثر دقة وواقعية عن أجدادنا وحياتهم.

كما تقول سيلينا برايس، عالمة الأنثروبولوجيا في المتحف: “مع تطور التكنولوجيا خلال العقد الماضي، يسعدنا أن نشارك بيانات شاملة عن هذه المرأة وحياتها، لتصحيح بعض المفاهيم القديمة وإضافة فصول جديدة لفهمنا التاريخي للبشر في بريطانيا الرومانية”.

القصة إذن ليست مجرد لغز قديم، بل درس عن كيفية استخدام العلم الحديث لتصحيح الأخطاء التاريخية، وفهم التنوع البشري في ضوء أدلة وراثية دقيقة لا يقدرها مجرد النظر إلى العظام وحدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى