منوعات

سطور في رثاء حارس الهوية العلمية: الدكتور أحمد شوقي حسن شوقي

سطور في رثاء حارس الهوية العلمية: الدكتور أحمد شوقي حسن شوقي

مصر: إيهاب محمد زايد
أستاذي.. نجيب محفوظ العلم كان رحمه الله مدرسةً تمشي على قدمين.. كان كنجيب محفوظ الأدب، لكنه في دنيا العلم.. عالم الحارة العلمية الذي يعرف كل شارع ودرب في مملكة الوراثة والجينات، ومع ذلك لم ينسَ قط أنه ابن للحارة، قريب من كل طالب، منصت لكل فكرة، مؤمن بأن العطاء لا يكتمل إلا بالتلقي.
لقد كنتُ واحداً من محظوظي دفعة 1993 بكلية الزراعة جامعة الزقازيق، أول دفعة خرّجتها يداه الكريمتان في علم الوراثة. أذكر ذلك اليوم الذي جلس بيننا كأب حنون يسأل: “ما رأيكم؟ كيف وجدتم المادة؟ ماذا تحتاجون؟”.. كان يستطلع آراءنا وكأنه طالب معنا، يسمع بكل جوارحه. وما إن مرّ شهران على تلك الجلسة، حتى فاز كتابه “العلم” بجائزة أحسن كتاب علمي في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. وكأنه كان يقول لنا: “أنتم من ألهمتموني”.
كان لي شرف أن أناديه: “أبي العلمي”.. وكان رده الحنون: “أنا أبوك العلمي”.. ثم عمّم هذه العبارة على كل طلابه، فصار لكل منا أبٌ علميٌّ في شخصه الكريم. كان عالماً مات طالباً للعلم فعلاً، لم تفتر همته ولا شغفه. أذكر كيف استغل كل وسائل التواصل الاجتماعي وهو في سنٍّ يُقال فيها إن الإنسان يعتزل التكنولوجيا، كان يتابع كل جديد، يشارك، يناقش، يتعلم من صغار العلماء كما يتعلمون منه.
وذات يوم كتبتُ منشوراً أقول فيه: “مصر تحتاج معمل متخصص لدراسة الجذور النباتية في ظل تملح التربة الذي وصل إلى 33%، ومع التغيرات المناخية التي تهدد أمننا الغذائي، لماذا تهمل كليات الزراعة دراسة الجذور ووراثتها؟”.. فإذا به يكتب لي بكل اهتمام: “فكرة مهمة جداً.. أرسل لي تفاصيل أكثر”.. واستمع لي بشغف كأنه طالب في عامه الأول، ثم ظل يتابعني: “إلى أي تطور وصلت في فكرتك؟”.. كان يشجع ويوجه ويرعى.
واليوم، بين يدي كتابه الفريد “وراثة وتطور السلوك” الذي ترجمه مع نخبة من الأساتذة، أرى تجسيداً لفكره المتقد: أن العلم لا حدود له، وأن السلوك نفسه له جذور وراثية، كما أن الجذور النباتية تحتاج لمن يدرس أسرارها.
هذا هو أستاذي.. أحمد شوقي حسن شوقي.. الذي لم يكن يعلّمنا العلم فقط، بل كان يعلّمنا كيف نحب العلم، ونخدم به الوطن، ونسأل الأسئلة الكبيرة، ولا نكتفي بالأجوبة الصغيرة.
و بين حُجُب الزمن والكلمة كان يمشي بين حروف المعاجم وكأنه يسير في بستان مورق، تلمع في عينيه وهجَةُ لغَةٍ تَشْتَقُّ من أعماقها مصطلحاتَ العصر، فيتحول الحرف إلى جسر، والكلمة إلى عالم. لم يكن الدكتور أحمد شوقي حسن شوقي مجرد باحث لغوي، بل كان حارساً للهوية في زمن العولمة العلمية، راعياً لروح العربية وهي تواجه موجة المصطلحات الغربية العاتية.
في صميم المشروع الأممي: تعريب العلوم
عندما اجتمع العالمان الجليلان: الدكتور أحمد مستجير بزراعة القاهرة، والدكتور أحمد شوقي بزراعة الزقازيق لترجمة العلوم وتعريبها اللغة العلمية لنقل المعرفة، في نقطة زمنية واحدة من تاريخ مصر الفكري، تشكل مشروع أمّة. لم يكن التعريب مجرد ترجمة، بل كان عمليّة جراحية دقيقة لزرع العلوم الحديثة في جسد اللغة العربية، بحيث لا ترفضها، ولا تذوب فيها، بل تُخصّبها وتُخصّب بها.
لقد أدرك الرجلان أنَّ المعركة الحقيقية للتنمية ليست فقط في امتلاك التكنولوجيا، بل في امتلاك لُغتها، في القدرة على تفكيك شفرتها الذهنية وإعادة تركيبها بلغة الأمّة. فالعلم الذي يُتلقَّى بلغة أجنبية يبقى غريباً في الوجدان، معلّقاً في الفراغ الثقافي، أما العلم الذي يُصاغ بلغة القوم فيصبح جزءاً من نسيجهم الفكري، أداةَ إبداعٍ لا مجرد أداة استهلاك.
المجمع اللغوي: حصن المقاومة الفكرية
في قاعات المجمع اللغوي المصري العتيقة، حيث تهمس حروف اللغة على جدران التاريخ، جلس الدكتور شوقي بين أقرانه كفارس من فرسان الصّوْلة الأخيرة. لم تكن المناقشات حول “الدنا” و”الرنا” مجرد جلسات مصطلحاتية، بل كانت جلسات مصيرية. كيف نسمّي سرَّ الحياة بلغة القرآن؟ كيف نضع اسماً عربياً لشيفرة الوجود؟ كانت “الدنا” و”الرنا” أكثر من مصطلحين علميين؛ كانا إعلانَ حياةٍ للغة، برهاناً على أن العربية تستطيع أن تحتضن أحدث ما توصل إليه العقل البشري دون أن تنكس رايتها.
لقد فهم أن الكلمة العلمية ليست مجرد دلالة، بل هي وعاءٌ لفكر، وناقلةٌ لمنهج. فمن يملك المصطلح يملك المفهوم، ومن يملك المفهوم يملك أدوات التحليل والسيطرة الفكرية.
الثقافة العلمية: حجر أساس الأمن القومي المصري
إن الأمن القومي لمصر – كما كان يُدرك الدكتور شوقي بعمق – لم يعد يقاس فقط بحدود جغرافية أو مخزون عسكري. لقد تحول إلى أمن معرفي، أمن علمي، أمن ثقافي. فأمة لا تفهم العلوم بلغتها، أمة عاجزة عن الابتكار، مقيدة بالتلقين، مستهلكة دائماً لمنتجات غيرها الفكرية والتقنية.
الثقافة العلمية المعرَّبة هي الضامن لوجود كوادر قادرة على النقد والتحليل والابتكار، وهي الدرع الواقي من التبعية الفكرية، وهي التربة الخصبة لزراعة عقلية البحث والتطوير. كيف يمكن لمهندس أو طبيب أو عالم أن يبدع وهو يفكّر بلغة ويترجم نتائج تفكيره إلى أخرى؟ إن الفجوة اللغوية تخلق فجوة ذهنية، والفجوة الذهنية تخلق تبعية دائمة.
إرث من نور وكبرياء لغوي
ترك الدكتور أحمد شوقي رصيداً من المصطلحات التي صارت اليوم نواةً للمعجم العلمي العربي الحديث. ولكنه ترك ما هو أعظم: ترك منهجية في التفكير، وإيماناً راسخاً بأن الهوية اللغوية ليست ترفاً ثقافياً، بل شرطاً من شروط السيادة الوطنية والاستقلال الحضاري.
رحل الجسد، ولكن ظلّت “الدنا” و”الرنا” وغيرهما من المصطلحات شواهدَ حيةً على أن العربية قادرة على استيعاب كل جديد، وعلى أن العلماء المخلصين قادرون على حمايتها من الانزياح والذوبان. لقد كان رحمه الله أحد أولئك الذين يحملون مشعل الهوية في عتمة التحديات، فيزفون للغة عمراً جديداً، وللأمة سلاحاً معرفياً لا يقلّ خطراً عن أي سلاح.
لقد صدق القائل: “اللغة وعاء الفكر”، فكان الدكتور شوقي من حرّاس هذا الوعاء، صانعاً لأغطيته، حافظاً لنقائه، ضامناً لبقائه.
وبالنهاية هذه تركة الأب العلمي
ميراث الوراثة
لم يكن مكتب الدكتور أحمد شوقي مجرد أرفف تحمل كتباً، بل كان غابة معرفية تنبض بالحياة. كل كتاب فيها كان شجرة تظلل بفروعها أجيالاً من الباحثين. كتب الوراثة والسلوك التي ألفها أو ترجمها كانت بمثابة كروموسومات فكرية تحمل شفرة خاصة – شفرة الجمع بين دقة العلم ورشاقة اللغة.

كتبه في تعريب العلوم لم تكن مجرد محاولات نقل، بل كانت عمليات زرع نسيج معرفي في جسد اللغة العربية، بحيث ينمو ويتكيف ولا يرفضه الجسد الحضاري. كانت كل صفحة يكتبها تُشبه مقاطع “الدنا” التي أتقن دراستها: سلسلة متصلة الحلقات، كل حلقة منها تُكمل ما قبلها وتُؤسس لما بعدها.

مقالات كالرنا الرسول
أبحاثه المنشورة في الدوريات العالمية كانت كالرنا الرسول، تحمل رسائل مصر العلمية إلى العالم، ثم تعود محمّلة بآخر ما توصلت إليه العقول. مقالاته التثقيفية كانت شفرات وراثية مبسطة، تفسّر أعقد النظريات بلغة تقربها إلى القلوب قبل العقول.
لم يكن يكتب للأرشيف، بل كان يكتب للضمير العلمي للأمة. كل مقالة كانت خطوة في بناء وعي، وكل بحث كان لبنة في صرح السيادة المعرفية.
مصطلحات كالجينات الحارسة
المصطلحات التي ساهم في وضعها لم تكن كلمات عابرة، بل كانت جينات لغوية حارسة لهوية الأمة العلمية. عندما شارك في اختيار “الدنا” و”الرنا”، كان يختار أكثر من مجرد تسمية – كان يختار قدرة اللغة على احتضان أسرار الحياة نفسها.
كان يؤمن أن المصطلح العلمي العربي السليم يشبه الجين السليم: يحمل المعلومات بدقة، وينقلها بأمانة، ويضمن استمرارها عبر الأجيال.
العطاء الذي لا يحصى
سنوات عطائه الأكاديمي كانت سلسلة متصلة من العطاء، كل عام فيها كان حلقة في سلسلة التنوير. في كل محاضرة كان يزرع بذرة، ومع كل طالب كان يبني جسراً. كان عداده الحقيقي ليس في عدد كتبه أو أبحاثه، بل في عدد العقول التي أضاءها، والقلوب التي أثار فيها شغف المعرفة، والأرواح التي علمها أن تطلب العلم من المهد إلى اللحد.
المختبر الأكبر
اهتمامه بفكرة معمل الجذور النباتية لم يكن مجرد دعم لفكرة تلميذه، بل كان تأكيداً على فلسفته: أن مشكلات الوطن هي مختبرات العلماء الحقيقية. كان يرى في تملح التربة وتغير المناخ تحديات تحتاج إلى علماء يغوصون في الأعماق – في جذور النباتات كما في جذور المشكلات.

الخاتمة الحيَّة
رحل الجسد، لكن “الدنا” الفكري الذي تركه باقٍ يتضاعف في كل عقل نما على علمه، وكل فكرة انبثقت من منهجه. غاب الأب العلمي لكن أولاده العلميين كُثر، يحملون مشعله، ويكملون شفرته الوراثية الفكرية.
ترك لنا ثلاث وصايا غير مكتوبة:
أ‌- أن الفكرة الصغيرة قد تتحول إلى شجرة معرفة عظيمة.
ب‌- أن الطالب الواحد قد يصير جيلاً من العلماء.
ت‌- أن الكلمة الواحدة قد تصير حصناً للهوية.
وهكذا يظل الدكتور أحمد شوقي حسن شوقي – كالـ’دنا’ الذي أحبه وعرّبه – سلسلة حياة فكرية تتضاعف فينا، وشفرة وراثية حضارية تنتقل من جيل إلى جيل.” فهل من وارثٍ لهذا الميراث؟ هل من حاملٍ لهذا المشعل؟ إنه سؤال نوجهه لأنفسنا قبل أن نوجهه للآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى