حين يصبح الفصل نهاية بلا مراجعة.. من يحمي العدالة في تطبيق قانون 73؟

أخطر ما يهدد العدالة ليس أن يقع الخطأ، فالخطأ وارد في أي منظومة بشرية، وإنما أن تُغلق الأبواب أمام اكتشافه وتصحيحه، وأن يشعر المواطن بأن القرار الصادر بحقه أصبح حكمًا نهائيًا لا سبيل لمراجعته، رغم ما قد يترتب عليه من ضياع وظيفة ومستقبل وسمعة واستقرار أسرة بأكملها.
بقلم: أسامة شحاتة

ومن هنا تبرز التساؤلات المثارة حول تطبيق القانون رقم 73 لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، وما ترتب على تطبيقه من إنهاء خدمة موظفين ثبت تعاطيهم للمواد المخدرة وفق الإجراءات المقررة.
نحن هنا لا ندافع عن المخدرات، ولا نطالب بالتساهل مع متعاطٍ ثبتت حالته وفق إجراءات قانونية وطبية سليمة. فحماية مؤسسات الدولة والمواطنين من مخاطر التعاطي، خصوصًا في الوظائف الحساسة، ضرورة لا خلاف عليها.
لكن مكافحة المخدرات شيء، وضمان العدالة في تطبيق القانون شيء آخر لا يقل أهمية.
السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه
ماذا لو وُجدت حالة ترى أن النتيجة التي بُني عليها فصلها لم تكن صحيحة؟
ماذا عن مواطن يقول إن دواءً مشروعًا كان يتناوله أثّر في نتيجة الفحص؟
وماذا عن الحالات التي تدعي وجود خطأ إجرائي أو طبي أو اختلاف بين نتيجة الفحص الأولي والتحليل التأكيدي؟
هل نغلق الملف بمجرد صدور القرار؟ أم نتيح طريقًا واضحًا وسريعًا ومستقلًا للمراجعة والتظلم؟
إن وجود آلية للتظلم لا يعني التشكيك في الدولة ولا في الجهات القائمة على تنفيذ القانون، بل العكس تمامًا؛ فالمؤسسة الواثقة من سلامة إجراءاتها لا يضيرها أن تخضع قراراتها للمراجعة وفق قواعد واضحة وشفافة.
الفصل ليس عقوبة عادية
قرار إنهاء الخدمة لا يسلب الموظف راتبه فقط.
إنه قد يضرب استقرار أسرة كاملة، ويلاحق صاحبه اجتماعيًا، ويؤثر في فرص حصوله على عمل آخر، وقد يضع اسمه أمام أسرته ومجتمعه تحت وصمة «متعاطي مخدرات».
لهذا فإن القرار الذي يحمل كل هذه النتائج الخطيرة يجب أن تحيط به أقصى ضمانات العدالة والدقة والمراجعة.
فإذا كان القانون يستهدف حماية المجتمع، فإن العدالة تستهدف حماية المجتمع أيضًا، ومن بينها حماية أي إنسان من تحمل نتيجة خطأ لم يرتكبه.
الحل ليس إلغاء القانون.. بل تحصين العدالة
المطلوب ليس هدم القانون رقم 73 لسنة 2021 ولا تعطيل مكافحة المخدرات، وإنما مراجعة التجربة بعد سنوات من التطبيق، والاستماع إلى الحالات المتضررة، ومعرفة ما إذا كانت هناك ثغرات تستحق التدخل التشريعي أو التنفيذي.
والحل يمكن أن يبدأ من فتح مسار رسمي واضح للتظلمات والمراجعة، مع ضمان إجراء التحليل التأكيدي وفق المعايير الطبية المعتمدة، وإتاحة مراجعة الأدوية والتقارير الطبية التي يقدمها الموظف، ووضع آجال زمنية محددة للبت في التظلمات.
كما يجب بحث إنشاء لجنة مراجعة مستقلة ومحايدة تضم ممثلين قانونيين وطبيين ومتخصصين، بحيث لا تكون الجهة القائمة على الإجراء هي وحدها صاحبة الكلمة الأخيرة عند النزاع حول سلامته.
وفي الحالات القديمة التي تثار بشأنها ادعاءات جدية بوجود أخطاء، يمكن للمشرع دراسة إنشاء آلية استثنائية لمراجعتها وفق شروط وضوابط محددة، دون فتح الباب أمام التحايل أو حماية من ثبت تعاطيه بالفعل.
وإذا أثبتت المراجعة أن القرار صحيح، يُنفذ القانون بكل حسم.
أما إذا ثبت الخطأ، فمن واجب دولة القانون أن تصححه وأن تعيد الحق إلى صاحبه وفق ما يقرره القانون والقضاء.
رسالة إلى مجلس النواب والحكومة
بعد مرور سنوات على تطبيق القانون، أصبح من المشروع أن يسأل البرلمان والحكومة:
كم حالة انتهت خدمتها؟
وكم تظلمًا أو نزاعًا أثير بشأن نتائج الفحوص؟
وما الضمانات المطبقة عند ادعاء تأثير دواء مشروع على النتيجة؟
وهل تحتاج المنظومة إلى تعديل تشريعي يمنح المواطن طريقًا أكثر وضوحًا وسرعة للمراجعة؟
هذه الأسئلة لا تضعف مكافحة الإدمان، بل تقويها؛ لأن القانون القوي ليس القانون الذي يخشاه الناس فقط، وإنما القانون الذي يثقون في عدالته أيضًا.
إلى الرئيس السيسي.. هؤلاء يطلبون المراجعة لا الحماية من القانون
إن آلاف الأسر التي تشعر بالضرر لا تحتاج إلى شعارات، وإنما إلى باب قانوني تستطيع أن تطرقه.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى مؤسسات الدولة واضحة:
لا نطالب بإعادة موظف ثبت تعاطيه للمخدرات، ولا نطالب بحماية مخالف للقانون.
نطالب فقط بأن يحصل من يقول إنه تعرض لخطأ على فرصة حقيقية لإثبات ذلك.
افتحوا باب المراجعة الجادة للحالات محل النزاع.
ضعوا آلية مستقلة للتظلمات.
راجعوا الحالات التي تقدم مستندات طبية جدية.
وإذا احتاج القانون إلى تعديل يحقق التوازن بين مكافحة المخدرات وحماية حقوق الموظف، فليتحرك مجلس النواب.
لأن هيبة الدولة لا تتحقق بالإصرار على أن مؤسساتها لا تخطئ.
هيبة الدولة الحقيقية تظهر عندما تمتلك الشجاعة لمراجعة القرار، وإنصاف المظلوم إن ثبت ظلمه، ومحاسبة المخطئ إن ثبت خطؤه.
نريد قانونًا يحارب الإدمان بقوة، نعم.
لكننا نريد معه ضمانة أقوى تقول لكل مواطن:
إذا كنت مذنبًا سيطبق عليك القانون.. وإذا كنت مظلومًا فهناك باب لن يُغلق في وجهك.
هذه هي دولة القانون.
وهذه هي العدالة التي لا يخشى منها أحد.
فالعدالة لا تخاف المراجعة… العدالة تخاف فقط أن يُغلق باب المراجعة في وجه من قد يكون مظلومًا.
#قانون_73_لسنة_2021
#افتحوا_باب_التظلمات
#تعديل_قانون_73
#العدالة_حق
#مكافحة_الإدمان
#مجلس_النواب
#رئاسة_مجلس_الوزراء
#صندوق_مكافحة_وعلاج_الإدمان



