
بقلم: أسامة شحاته

بدأ الحزن يتسلل إليَّ بشدة عندما وصلتني رسالة من عدد من أصحاب المعاشات بقطاع البترول، خاصة من تجاوزوا السبعين عامًا، تحمل كلمات موجعة تختصر حالهم: «صدق المثل.. أكلونا لحمًا ثم رمونا عظمًا».
هؤلاء الرجال الذين قضوا عشرات السنوات في خدمة قطاع البترول، وسط الصحراء والحرارة والعواصف والأمطار، وكانوا يومًا من أهم من حملوا على أكتافهم مسؤولية بناء هذا القطاع، يجدون أنفسهم اليوم أمام قرارات تمس حقهم في الرعاية الطبية، في وقت هم فيه أحوج ما يكونون إلى العون والاهتمام.
ويروي أحد أصحاب المعاشات قصة زيارة الوزير الأسبق المهندس أحمد عز الدين هلال لإحدى حقول الشركة العامة، وكيف استقبله العاملون بالهتافات: «هل هلالك شهر مبارك». وكانت المكافأة وقتها صرف شهرين تقديرًا للعاملين.
واليوم، وبعد أن تقدم العمر بهؤلاء الرجال، أليس من حقهم أن يجدوا التكريم والرعاية بدلًا من أن يشعروا بأن سنوات عمرهم التي قضوها في خدمة القطاع قد طويت صفحاتها؟
والأكثر إثارة للقلق هو ما يتردد بشأن القرارات الجديدة الخاصة بالرعاية الطبية، والتي يرى أصحاب المعاشات أنها تمثل عبئًا حقيقيًا عليهم، خصوصًا في ظل محدودية المعاشات وارتفاع أسعار الأدوية والتحاليل والخدمات الطبية.
القضية ليست في قيمة العشرين جنيهًا التي قد يدفعها صاحب المعاش، وإنما في السؤال الأكبر: ماذا سيفعل رجل مسن إذا احتاج إلى علاج أو روشتة تتجاوز تكلفتها الاف جنيه؟
وماذا لو احتاج المريض إلى أكثر من كشف خلال الشهر؟ هل يستطيع أن يختار موعد مرضه وفقًا للائحة؟
ثم تأتي قضية التحاليل، فإذا كان السماح بها مرة كل ستة أشهر، فماذا يفعل مريض يحتاج إلى تحاليل بصورة عاجلة ومتكررة لمتابعة حالته؟ ومن يتحمل التكلفة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار التحاليل الطبية؟
هذه ليست رفاهية، وليست مطالب إضافية، وإنما قضية إنسانية قبل أن تكون إدارية أو مالية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل تمت مراجعة هذه القرارات بصورة شاملة من قيادات وزارة البترول، والهيئة المصرية العامة للبترول، وصندوق المعاشات، والنقابة العامة للعاملين بالبترول؟ وهل تم وضع الظروف الصحية والاجتماعية لأصحاب المعاشات في الاعتبار قبل اتخاذ أي إجراءات جديدة؟
وهنا أتذكر موقفًا للمهندس سامح فهمي وزير البترول الاسبق خلال زياراته لمستشفى الإسكندرية للبترول، عندما مر على إحدى الغرف المغلقة، وظن الجميع أنه لم يلاحظها، لكنه عاد وطلب فتحها، فإذا بداخلها مدير كبير على المعاش يعرفه الوزير.
وعندما سأل عن سبب وجوده، قيل له إن اللائحة لا تسمح، فكان التدخل سببًا في تغيير الوضع وصدور قرار يتعلق بعلاج المتقاعدين.
قد تختلف الآراء حول الأشخاص والسياسات، لكن تبقى الرسالة الأهم: من أفنى عمره في خدمة القطاع لا ينبغي أن يشعر في شيخوخته بأنه أصبح عبئًا عليه.
وأعتقد أن المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، والمهندس صلاح عبد الكريم، الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للبترول، بما عُرف عنهما من قرب من العاملين واهتمام بأحوالهم، لن يقبلا أن يتحول ملف أصحاب المعاشات إلى مصدر معاناة لهذه الفئة.
فالقيادات الحالية والعاملون اليوم، مهما طال بهم العمر في مواقعهم، سيأتي يوم ويصبحون فيه أصحاب معاشات.
وتلك الأيام نداولها بين الناس.
أصحاب المعاشات ليسوا أرقامًا في كشوف، ولا مجرد أسماء انتهت مدة خدمتها. هؤلاء رجال صنعوا تاريخًا، وحفروا بأيديهم وعرقهم في الصحارى، وتحملوا ظروفًا قاسية حتى يستمر إنتاج القطاع وتبقى عجلة العمل والإنتاج دائرة.
لذلك فإن المطلوب ليس صدامًا ولا اتهامات، وإنما مراجعة هادئة وعادلة لأي قرار قد يحمّل أصحاب المعاشات أعباءً تفوق قدرتهم، ووضع حلول تحفظ حق القطاع في تنظيم موارده، وفي الوقت نفسه تحفظ لهؤلاء الرجال كرامتهم وحقهم في الرعاية.
إن أصحاب المعاشات يستحقون أن ننظر إليهم بعين الوفاء لا بعين الحسابات فقط، وأن نتذكر أن ما قدموه بالأمس هو جزء من القوة التي يعمل بها القطاع اليوم.
رسالة إلى المسؤولين: راجعوا القرار، واسمعوا أصحاب المعاشات، فالقضية ليست جنيهات تُحصّل.. وإنما كرامة رجال أفنوا أعمارهم في خدمة البترول والوطن.






هايل
ممتاز