المزيد

الغش يفتح باب القمة.. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد النتيجة

الغش يفتح باب القمة.. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد النتيجة

بقلم: الأنوار المصرية

في كل عام، ومع إعلان نتائج الثانوية العامة وبدء الحديث عن كليات القمة، يعود السؤال الذي لا يجوز أن نهرب منه: هل تكفي الدرجة وحدها لصناعة طبيب أو مهندس؟

المشكلة ليست في طالب أخطأ أو تعثر، وإنما في أن تتحول رحلة الوصول إلى كلية الطب أو الهندسة إلى سباق تستخدم فيه بعض وسائل الغش الحديثة، من سماعات إلكترونية ووسائل اتصال خفية وغيرها، بدلًا من الاجتهاد والمذاكرة.

الغش في الامتحان قد يمنح صاحبه دقائق من الأمل، وقد يرفع درجاته على الورق، لكنه لا يستطيع أن يمنحه علمًا حقيقيًا.

وهنا تكمن الخطورة.

سماعة صغيرة.. وسؤال كبير

تطورت وسائل الغش بصورة لافتة، وأصبحت بعض محاولات الغش تعتمد على أجهزة إلكترونية صغيرة وسماعات ووسائل اتصال يصعب اكتشافها أحيانًا. ولذلك أصبحت مواجهة الغش مسؤولية مشتركة بين الطالب والأسرة والمدرسة والجهات التعليمية.

لكن القضية لا تتوقف عند ضبط طالب يحمل سماعة.

السؤال الأكبر هو: ماذا يحدث إذا نجح الغش في إيصال طالب غير مستعد إلى كلية تحتاج إلى أساس علمي قوي؟

طالب الطب، على سبيل المثال، لا يدرس مادة يمكن تعويضها بحفظ ليلة الامتحان. الطبيب يتعامل مستقبلًا مع حياة إنسان، والمهندس يتعامل مع منشآت ومشروعات تحتاج إلى علم ودقة ومسؤولية.

من الثانوية إلى كلية الطب.. الحقيقة تظهر

قد يستطيع الطالب أن يحصل على مجموع مرتفع بالغش، لكن الجامعة لا تعرف المجاملة.

هناك محاضرات، وعملي، وامتحانات، وتراكم معرفي، ومقررات تعتمد على ما سبقها. وهنا تظهر الفجوة بين الدرجة التي حصل عليها الطالب وبين المستوى الحقيقي الذي يمتلكه.

ولهذا فإن الحديث عن نتائج المحافظات ونسب القبول في الطب والهندسة يجب ألا يكون مجرد احتفال بالأرقام.

وراء كل رقم طالب تعب واجتهد وسهر، وهناك أيضًا أسرة تحملت الكثير من أجل أن يصل ابنها أو ابنتها إلى تلك اللحظة.

ومن الظلم أن يتساوى من أمضى عامًا كاملًا في المذاكرة مع من حاول اختصار الطريق بالغش.

الرسوب ليس المشكلة.. المشكلة أن نصل بالغش

قد يكون الرسوب مؤلمًا، لكنه أحيانًا أكثر شرفًا من النجاح بالغش.

فالطالب الذي يرسب لأنه لم يستطع الإجابة يستطيع أن يعيد المحاولة، ويتعلم، ويصحح أخطاءه.

أما الطالب الذي يدخل كلية القمة بدرجة لا تعكس مستواه الحقيقي، فقد يكتشف بعد أسابيع أو أشهر أن الطريق الذي بدا سهلًا في البداية أصبح أصعب بكثير.

وهنا لا يصبح السؤال: “كم جبت في الثانوية؟”

بل يصبح السؤال الحقيقي:

“ماذا تعرف؟ وماذا تستطيع أن تفعل؟”

كليات القمة ليست مجرد اسم

الطب والهندسة والصيدلة وغيرها من التخصصات التي يقبل عليها الطلاب ليست مجرد وجاهة اجتماعية أو رقم كبير في التنسيق.

كلية القمة الحقيقية هي المكان الذي يستطيع الطالب أن يثبت فيه نفسه بالعلم والعمل.

فالطبيب الذي لا يعرف لن تنقذه شهادة معلقة على الحائط، والمهندس الذي لا يمتلك المعرفة لا يمكن أن يحمي مشروعًا أو منشأة.

لذلك يجب أن تكون رسالة الثانوية العامة واضحة:

المجموع مهم.. لكن الأهم هو ما وراء المجموع.

الحل ليس العقاب وحده

مواجهة الغش تحتاج إلى إجراءات صارمة وعادلة، وتكنولوجيا أفضل لاكتشاف وسائل الغش الإلكترونية، وتطبيق القواعد على الجميع دون استثناء.

لكننا نحتاج أيضًا إلى تغيير ثقافة كاملة.

يجب أن يفهم الطالب أن الامتحان ليس معركة ضد المراقب، وأن السماعة ليست وسيلة للنجاح، وأن الحصول على درجة لا يستحقها ليس انتصارًا.

كما أن الأسرة مطالبة بألا تجعل عبارة “لازم تدخل طب أو هندسة” أهم من قدرة الابن الحقيقية وميوله واستعداده.

وفي النهاية..

الثانوية العامة مرحلة مهمة، لكنها ليست نهاية العالم.

النجاح الحقيقي ليس أن تدخل كلية القمة بأي طريقة، وإنما أن تدخلها وأنت تستحق مكانك فيها.

أما الغش، مهما تطورت أدواته، فيظل طريقًا قصيرًا إلى نتيجة قد تبدو جميلة على الورق، لكنها تنهار أمام أول اختبار حقيقي.

فالدرجات يمكن أن تفتح باب الجامعة.. لكن العلم وحده هو الذي يبقي الباب مفتوحًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى