قطر تنتفض وانتقادات للجزيرة.. ماذا حرك مظاهرات “آل مرة” ضد النظام الحاكم

تقرير محمد عبد المولي
تشهد قطر انتفاضة غضب بين أفراد قبيلة “آل مرة”، اعتراضًا على ما وصفوه بـ”القانون التعسفي ضدهم والذي يمنعهم من الترشح لانتخابات مجلس الشورى”، واعتقال السلطات 7 من أفراد القبيلة شاركوا في الاحتجاجات.
وتُخيّم على الشارع القطري حالة من الجدل والانقسام. وأعلنت وزارة الداخلية القطرية في تغريدة عبر حسابها على تويتر، يوم الأحد، إحالة 7 أشخاص إلى النيابة العامة، مُتهمة إياهم “باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في نشر أخبار كاذبة وإثارة نعرات عنصرية وقبلية”.
حمد بن جاسم يعلق على “انتفاضة قطر”: ما هكذا تورد الإبل؟
النيابة العامة في قطر تحقق مع 7 أشخاص بتهمة إثارة نعرات قبلية وعنصرية
الخطوط الجوية القطرية توقف تحليق 13 طائرة إيرباص
درس في بريطانيا وعمل بتركيا.. من هو سفير قطر الجديد في مصر؟
وقالت الوزارة في بيانها: “إنه بعد وقوف الجهات المعنية على المحتوى المنشور في حساباتهم وارتباطه بموضوع الاتهام، تمت إحالتهم للنيابة العامة لاستكمال إجراءاتها المتبعة في هذا الخصوص”.
من أبرز المُعتقلين القطريين، المحامي البارز، هزاع بن علي المري، الذي نظّم وقاد تظاهرات “آل مرة”، بعد اجتماع احتجاجي ضم نخب قطرية من أدباء وشعراء وأساتذة جامعات ومحامين، حيث ألقوا خُطبًا وكلمات منددة بـ”عنصرية النظام الحاكم” في قطر.
وظهر المري، بحسب مقطع فيديو متداول، وهو يصعد في سيارة دورية الأمن التي جاءت لاعتقاله، أمس الاثنين، بينما يتجمع مناصرون له حول السيارة، ويحاولون منع اعتقاله. لكن المري بدا متعاونا مع رجال الأمن، وطلب من المتجمعين حول السيارة عدم عرقلتها.
وقُبيل اعتقاله، غرّد المري عبر تويتر: “البحث الجنائي عندي في مجلسي الآن، يطلبون ذهابي معهم وسوف أذهب متحصّنا بالله أولا، ثم أبناء قبيلتي آل مرة والمواطنين ثم الدستور والقانون”.
كان المري، وهو أحد القطريين المُجنسين الذين اعتبروا أن قانون الانتخابات الجديد “سلبهم حقهم في الترشح”، وجّه رسالة جريئة لأمير قطر تضمنت تهديدًا صريحًا برفض شروط الانتخابات الحالية، وربط فيها البيعة بعدل أمير البلاد تجاه رعيته.
وقال في رسالته إن حرمان أفراد قبيلته من الترشح يعني أنهم “مماليك”- على حد تعبيره- وإنهم سيرفضون القرار حتى لو دخلوا السجون.
ما هو قانون الانتخابات المثير للجدل؟
قبل أيام، صادق أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، على قانون انتخابي لأول انتخابات تشريعية في البلاد، من المقرر إجراؤها في أكتوبر المقبل.
قسّم القانون رقم (6) الخاص بنظام انتخاب مجلس الشورى، المواطنين القطريين إلى 3 درجات: قطريون أصليون ويحق لهم الترشح والانتخاب، وقطريون مُجنّسون مولودون في قطر وجدهم قطري ويحق لهم الانتخاب لا الترشح، وقطريون مجنسّون ولا يحق لهم الترشح ولا الانتخاب.
بموجب القانون الجديد، يتمتع بحق انتخاب أعضاء مجلس الشورى “كل من كانت جنسيته الأصلية قطرية، وأتمّ 18 عامًا”، ويُستثني من شرط الجنسية الأصلية كل من اكتسب الجنسية القطرية، “بشرط أن يكون جده قطريًا، ومن مواليد دولة قطر”.
أما المُرشح فيتعين أن يكون “جنسيته الأصلية قطرية، ولا يقل عمره عند غلق باب الترشح عن 30 عامًا”.
ويتم اختيار ثلثي أعضاء مجلس الشورى القطري عن طريق الانتخابات، أو 30 عضوا في المجلس المؤلف من 45 مقعدا، وسيُعين الأمير الأعضاء الباقين.
وستقسم البلاد إلى 30 دائرة انتخابية ينتخب مرشح واحد فقط لتمثيل كل منها.
وفي استفتاء أجري في 2003 وافق القطريون، الذين يشكلون 10 بالمائة فقط من عدد السكان، على دستور جديد ينص على إجراء انتخابات جزئية للمجلس الذي يجري تعيين جميع أعضائه في الوقت الراهن.
وسيتولى مجلس الشورى عند انتخابه، سلطة التشريع، وإقرار الموازنة العامة للدولة، وممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية للدولة.
ردود فعل غاضبة: “قطر تنتفض”
بيد أن شروط ذلك القانون أثارت جدلًا واسعًا بين رواد التواصل الاجتماعي في الإمارة، لا سيّما بين أفراد قبيلة “آل مرة” التي لا تنطبق عليها الشروط اللازم توافرها من أجل اكتساب أصول قطرية.
وتحت هاشتاجات #ال_مره_قطر_قبل_الحكومه، و#ال_مره، و#انتخابات_مجلس_الشورى، و#قطر_تنتفض، أبدى قطريون كُثر رفضهم “لأسلوب التهديد والوعيد المُبطّن وإذكاء العصبية القبيلة الذي صدر عن البعض”، معتبرين أن القبيلة وجدت في قطر قبل الحكومة.
كتبت لؤلؤة بنت جاسم آل ثاني: “كان الأجدر أن يلجأ المعترضون لجهة التظلم التابعة للجنة الانتخابات قبل أن يختار وضع قبيلتهم في مواجهة مع الدولة”.
ووجه الشاعر سعيد الدحابيب في مقطع فيديو يتضمن قصيدة، اتهامات شديدة لقطر بإثارة النزاعات والانقسامات داخل المجتمع على خلفية قوانين الانتخابات، جاء فيها: “العنصرية في اتخاذ القرارات ..أخس وأردى نوع للعنصرية”.
فيما اعتبر أنور الرشيد أن “قانون الانتخابات القطري قد لا يلبي الطموح وبه ثغرات ولكني معه جملةً وتفصيلًا وإن كان البعض يرى عكس ذلك فليتفضل بإعطائنا البديل”.
وأضاف: “قطر والكويت تتعرضان لحملة تشويه غير مسبوقة كونهما النظامين الوحيدين اللذان بهما رائحة ديمقراطية”.
تهكم على “صمت الجزيرة”: أين الرأي الآخر؟!
في خِضم عاصفة الاعتراضات والاعتقالات هذه، كان من اللافت والمثير للدهشة أن يُقابل هذا الغضب الشعبي غير المسبوق بالتجاهل من جانب وسائل الإعلام القطرية، وعلى رأسها قناة “الجزيرة”، التي يقع مقرها الرئيس على مقربة من التظاهرات المنددة بقانون الانتخابات المثير للجدل.
ودفع ذلك التجاهل الإعلامي، القطريين للاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية والأجنبية، لمعرفة ما يجري في البلاد، حيث ينشر مشاركون في الاحتجاجات العديد من مقاطع الفيديو للكلمات والخُطب التي تلقى على الحضور.
ونشر الصحفي السعودي المعروف، عبدالعزيز الخميس، عددا من مقاطع الفيديو للاحتجاجات، منتقدًا تجاهل الإعلام القطري لها: “لو حدث هذا في القاهرة لصدعتنا الجزيرة بقصص عنه… لكن أن يكون خارج باب قناتها ووسط الدوحة فالصمت يحل… ما أكذب مقولة الرأي والرأي الآخر… هذا الآخر ضعوه مباشرا على الهواء”.
وفي تغريدة منفصلة، وجّه رسالة غير مباشرة إلى أمير قطر، قائلًا: “لا يمكنك تصميم شعبًا على مزاجك ليسوا حذاء…. لا يمكنك الغاء قبائل من خارطتك السياسية الانتخابية…ليسوا لاعبين اولمبيين تشتريهم من مجاهل افريقيا…. أنت أمام عرب أحرار.. وأهل بلد قبل قدوم جد جدك”.
كما استنكر الخميس تجاهل الإعلاميين العرب العاملين في الإعلام القطري والنخب العربية المؤيدة لسياسة الدوحة، قائلًا: “منذ أن أعلن عن قصة الانتخابات في قطر… انطلقت حناجر المرتزقة في أماكن عديدة تهلل وتبارك وتغني لديمقراطية الحمدين… واليوم صمت مهين على هبة أهل قطر ضد الإجحاف في قانون الانتخابات… ما أسخف المرتزقة”.
وهاجم الشاعر القطري الشهير محمد بن الذيب، الجزيرة، بسبب غيابها التام عن تغطية الاحتجاجات القبلية في قطر.
وقال في مقطع فيديو، الثلاثاء، عبر تويتر: “الجزيرة عاهرة متسترة، وإلا حدث مثل هذا لا يتم ذكره ولا يتم التطرق إليه من قريب أو بعيد؟ أين فيصل القاسم، جمال ريان، وأشكالهم؟ أين المرتزقة اللي عندهم ما يتكلمون عنه؟ أين الإعلاميون والصحفيون؟ وأين الشعراء؟”.
كما وجهت الكاتبة والإعلامية الإماراتية، مريم الكعبي، تساؤلاً ساخراً لقناة الجزيرة عن سبب تجاهلها للتطورات اللافتة في الداخل القطري، مُغرّدة: “إلى قناة الجزيرة في قطر، ماذا يحدث في قطر؟”.
ونشر مستشار وزير الإعلام اليمني، ورئيس رابطة الإعلاميين اليمنيين، فهد طالب الشرفي، مقطع فيديو لأحد المحتجين القطريين الغاضبين وسط مئات آخرين يحيطون به. وكتب: ” تخيلوا أن هذه الاحتجاجات لا تفصلها عن مبنى الجزيرة سوى أمتار، قناة الرأي والرأي الآخر لا رأي فيها لأهل قطر”.
ردود فعل مضادة: ولاؤنا لتميم
في المقابل، وتحت هاشتاج #شعب_واحد_وولائنا_تميم، عبّر قطريون، من بينهم أفراد من الأسرة الحاكمة، عن غضبهم من الاحتجاجات المناهضة لقوانين الانتخابات، مُعتبرة أنها تمثل “تطاولُا وقلة أدب”، مؤكدين التفافهم حول القيادة الحكيمة للبلاد.
فكتبت الشيخة مريم آل ثاني عبر تويتر: “يعتقد البعض أنه بالتطاول وقلة الأدب وأسلوب التعالي والتهديد سيحصل على ما (يعتقد) أنه (حق)! ما تريد التفاوض عليه هو (مطلب) والمطالب لا تؤخد بهذا الأسلوب الذي يجعل منك شخصا في نظر الآخرين (عديم التربية ومنبوذا ومكروها)! طالب بما تشاء، ولكن بأدب واحترام لذاتك قبل غيرك!”.
وفيما تبدو وكأنها رسالة غير مباشرة للمحتجين، غرّد شقيق أمير قطر، خليفة بن حمد آل ثاني: “الكثير يفهم الحرية أنها تمرد وخروج عن دائرة الأدب، بينما هي مساحة ثقة تعطى للذات”.
وقال الكاتب الصحفي القطري جابر بن ناصر المري: “لكل مواطن حق الاعتراض على مادة في القانون، فهي ليست مُنزلة من السماء، ولكن بأسلوب متحضر يتفق ونهجنا الحضاري كشعب مثقف وواعِ، فليس من الحصافة أن تعترض على قانون بمخالفة القانون”. وتابع: “أمن الوطن فوق الجميع”.
وأشار صادق محمد العماري، رئيس تحرير صحيفة “الشرق” القطري، في تغريدة عبر تويتر، إلى أن “معظم أهل قطر صوتوا لصالح الدستور في عام 2003، ومن ضمن مواده ما يتعلق بتنظيم انتخابات الشورى، فلماذا الآن ننتقده؟!”. وتابع: “إن كنت مظلومًا فهناك وسائل حضارية للتعبير وبالتأكيد ليس من بينها التجمعات غير القانونية أو التحريض”.
ما هي قبيلة آل مُرة؟
أحد أهم وأشهر القبائل العربية ذات الجذور الضاربة في أعماق قطر، وأكثرهم عددًا منذ مئات السنين.
وفي حين تتكتم قطر على عدد مواطنيها وانتماءاتهم القبلية، تقول تقارير إعلامية إن عدد أفراد قبيلة “آل مرة” يفوق 40% من عدد القطريين، وإن ذلك العدد الكبير قد يكون سببا في التشديد الذي يواجهونه في بلادهم.
ربطتهم علاقة وثيقة بـ آل ثانى منذ عهد المؤسس الأول لدولة قطر الشيخ قاسم بن محمد آل ثانى، وشاركوا في كثير من المشاهد التاريخية للدفاع عن قطر، وساهموا مساهمة فعالة في بناء الدولة منذ نشأتها، حتى شابت توتّرت العلاقة مع الأسرة الحاكمة منذ اعتلاء حمد بن خليفة الحكم في السبعينيات.
يُنظر إلى “آل مرة” في قطر باعتبارها سعودية الأصل، وحصلت على الجنسية القطرية، بعد أن تم فتح الباب لمن يريد الجنسية القطرية من القبائل في السبعينيات.
ولكن اضطهاد القبيلة الأكبر في قطر ظهر جليًا في التسعينيات، حينما انقلب الابن الشيخ حمد بن خليفة، على الحاكم الأب الشيخ خليفة بن حمد، وتولى مقاليد الحكم عام 1996، الأمر الذي رفضه “آل مرة” واعتبروا الشيخ خليفة هو الحاكم الشرعي لقطر، وأدوا القسم القانوني بالولاء والطاعة له.
وشارك في محاولة الانقلاب –حينها- عدد من الضباط والأفراد التابعين لقبيلة آل مرة، والصقت بهم تهمة التحريض والقيادة، وتم الزج بأكثرهم في السجون، وبدون محاكمة، ومارست ضدهم التعذيب والإهانة، وبعد ذلك أسقطت جنسياتهم.


